محمد بن جرير الطبري

418

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : " ويكلم الناسَ في المهد وكهلا " ، ويكلم الناس طفلا في المهد = دلالةً على براءَة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها ، ( 1 ) وحجة له على نبوّته = وبالغًا كبيرًا بعد احتناكه ، ( 2 ) بوحي الله الذي يوحيه إليه ، وأمره ونهيه ، وما ينزل عليه من كتابه . ( 3 ) * * * وإنما أخبر الله عز وجل عبادَه بذلك من أمر المسيح ، وأنه كذلك كان ، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخًا = احتجاجًا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطلَ ، ( 4 ) وأنه كان = [ منذ أنشأه ] مولودًا طفلا ثم كهلا = يتقلب في الأحداث ، ( 5 ) ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام ، من صِغر إلى كبر ، ومن حال إلى حال = وأنه لو كان ، كما قال الملحدون فيه ، كان ذلك غيرَ جائز عليه . فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، واحتج به عليهم

--> ( 1 ) في المطبوعة : " قذفها " ، وانظر آنفًا : ص 413 ، تعليق : 3 . ( 2 ) قوله : " وبالغًا " معطوف على قوله آنفًا : " طفلا في المهد " . ثم قوله : بعد " بوحي الله " جار ومجرور متعلق بقوله آنفًا : " ويكلم الناس . . " . ( 3 ) في المطبوعة : " وما تقول عليه " ، ومعاذ الله أن يكون ذلك ! ! والكلمة في المخطوطة سيئة الكتابة ، مستفسدة مستصلحة ، وهي على ذلك بينة لمن يدرك بعض معاني الكلام ! ! ( 4 ) في المطبوعة : " بالباطل " ، وهو تبديل لعبارة الطبري التي يألفها قارئ كتابه . وقوله : " الباطل " منصوب مفعول به لقوله : " القائلين . . . " ( 5 ) في المطبوعة : " وأنه كان في معناه أشياء مولودًا . . . " ، وفي المخطوطة : " وأنه كان في معانيه أشيا مولودًا . . . " ، ولم أستطع أن أجد لشيء من ذلك معنى أرتضيه ، وقد جهدت في معرفة تصحيفه أو تحريفه زمنًا ، حتى ضفت به ، وحتى ظننت أنه سقط من الناسخ شيء يستقيم به هذا الكلام ، مع ترجيح التصحيف والتحريف فيه . فرأيت أن أضع بين القوسين ما يستقيم به الكلام ، وأن أخلي الأصل من هذه الجملة . هذا مع اعتقادي أن " معه أشيا " هي " منذ أنشأه " كما أثبتها . والسياق : " أنه كان . . . يتقلب في الأحداث " ، وما بينهما فصل وضعته بين الخطين .