محمد بن جرير الطبري

406

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فيه ما وصفتُ ، من إلقاء ذلك إليهم . وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً ، ويكون بكتاب . ومن ذلك قوله : ( 1 ) ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) [ سورة الأنعام : 121 ] ، يلقون إليهم ذلك وسوسةً ، وقوله : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) [ سورة الأنعام : 19 ] ، ( 2 ) ألقى إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عز وجل . وأما " الوحْي " ، فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه ، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب " وحيًا " ، لأنه واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه ، كما قال كعب بن زهير : أَتَى العُجْمَ والآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ . . . بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الأصَمّ ( 3 ) يعني به : الكتابَ الثابت في الحجر . وقد يقال في الكتاب خاصةً ، إذا كتبه الكاتب : " وحَى " بغير ألف ، ومنه قول رؤبة : كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحِ تَدْهَمُهْ . . . وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ ( 4 ) * * *

--> ( 1 ) في المخطوطة : " وذلك قوله " ، والصواب ما في المطبوعة . ( 2 ) قوله : " لأنذركم به ومن بلغ " ، ليس في المخطوطة . ( 3 ) ديوانه : 64 ، من قصيدة مضى منها بيت فيما سلف 1 : 106 ، وهي قصيدة جيدة ، يرد فيها ما قاله فيه مزرد ، أخو الشماخ ، حين ذكر كعب الحطيئة في شعره وقدمه وقدم نفسه ، فغضب مزرد وهجاه ، فقال يفخر بأبيه ثم بنفسه ، بعد البيت السالف في الجزء الأول في التفسير : فَإِنْ تَسْأَلِ الأَقْوَامَ عَنِّي ، فَإِنَّنِي . . . أَنَا ابْنُ أبِي سُلْمَى عَلَى رَغْمِ مَنْ رَغِمْ أنَا ابنُ الَّذِي قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حِجَّةً . . . فَلَمْ يَخْزَ يَوْمًا في مَعَدٍّ وَلَمْ يُلَمْ وَأَكْرَمَهُ الأكْفَاءُ فِي كُلِّ مَعْشَرٍ . . . كِرَامٍ ، فَإِنْ كَذَّبْتَني ، فَاسْأَلِ الأُمَمْ أَتَى العُجْمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( 4 ) ديوانه : 149 ، من رجز طويل بارع غريب المعاني والوجوه ، يذكر فيه مآثر أبي العباس السفاح ، وهو غريب الكلام ، ولكنه حسن المعاني إذا فتشته ، فأقرأه وتأمله . وهذه الأبيات في مطلع الرجز ، والضمير عائد فيها على ربع دارس طال قدمه ، وعفته الرياح . وقوله : " تدهمه " تغشاه كما يغشى المغير جيشًا فيبيده . وارثعن المطر ( بتشديد النون ) : كثر وثبت ودام . فهو مرثعن . ووثم المطر الأرض يثمها وثمًا : ضربها فأثر فيها ، كما يثم الفرس الأرض بحوافره : أي يدقها ، إلا أن هذا أخفى وأكثر إلحاحًا . ونمنم الكتاب : رقشه وزخرفه وأدق حظه : وقارب بين حروفه الدقاق ، وتلك هي النمنمة .