محمد بن جرير الطبري
359
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عند أحد ، فكان زكريا يقول : " يا مريم أنَّى لك هذا " ؟ * * * وأما قوله : " إنّ الله يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب " ، فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقَه ، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبدَه . لأنه جل ثناؤه لا ينقصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خزائنَه ، ولا يزيدُ إعطاؤه إياه ، ومحاسَبته عليه في مُلكه ، وفيما لديه شيئًا ، ولا يعزب عنه علمُ ما يرزقه ، وإنما يُحاسب مَنْ يعطي مَا يعطيه ، مَنْ يخشى النقصانَ من ملكه ، ودخولَ النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف ، ( 1 ) ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ( 38 ) } قال أبو جعفر : وأما قوله : " هنالك دعا زكريا ربه " ، فمعناها : عند ذلك ، أي : عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رَزَقها ، وفضله الذي آتاها من غير تسبُّب أحد من الآدميين في ذلك لها = ( 1 ) ومعاينته عندَها الثمرة
--> ( 1 ) في المطبوعة : " من يخشى النقصان من ملكه بخروج ما خرج من عنده . . . " ، وفي المخطوطة : " من يخشى النقصان من ملكه ، ودخول بخروج ما خرج من عنده . . . " ، وبين الكلامين بياض ، فلما لم يجد الناشر ما يكتبه مكانها ، حذف " ودخول " ووصل الكلامين . وزدت أنا " النفاد عليه " مكان البياض استظهارًا من سياق الكلام ، ومن تفسير هذه الجملة في مواضع أخرى سأذكرها فيما يلي . ( 2 ) انظر تفسير : " يرزق من يشاء بغير حساب " فيما سلف 4 : 274 / ثم 6 : 311 . ( 1 ) قوله : " ومعاينته عندها . . . " معطوف على قوله آنفًا : " عند رؤية زكريا . . . " .