محمد بن جرير الطبري

357

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

حَمل ابنة عمران ! فقالوا : ونحن لقد جُهِدنا وأصابنا من هذه السنة ما أصابكم ! ( 1 ) فتدافعوها بينهم ، وهم لا يرون لهم من حملها بُدًا ، حتى تقارعوا بالأقلام ، فخرج السّهم بحملها على رجل من بني إسرائيل نجار يقال لهُ جريج ، قال : فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه ، فكانت تقول له : يا جريج ، أحسن بالله الظن ! فإن الله سيرزقنا ! فجعل جريج يرزق بمكانها ، فيأتيها كلّ يوم من كسبه بما يُصلحها ، فإذا أدخله عليها وهي في الكنيسة ، أنماه الله وكثَّره ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق ، وليس بقدر ما يأتيها به جُريج ، فيقول : " يا مريم ، أنَّى لك هذا " ؟ فتقول : " هو من عند الله إنّ الله يرْزُق من يشاء بغير حساب " . * * * قال أبو جعفر : وأما " المحراب " ، فهو مقدم كل مجلس ومصلًّى ، وهو سيد المجالس وأشرفُها وأكرمُها ، وكذلك هو من المساجد ، ومنه قول عديّ بن زيد : كَدُمَى العَاجِ فِي المَحَارِيبِ أَوْ . . . كالبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ ( 2 )

--> ( 1 ) في المخطوطة : " لقد جهدنامن هذه السنة ما أصابكم " وبينهما بياض ، والذي في المطبوعة صواب جيد . ( 2 ) ديوانه في شعراء الجاهلية : 455 ، وسيأتي في التفسير 22 : 48 ( بولاق ) ، يصف نساء ، يقول : هن كتماثيل العاج في محاريب المعابد . والبيض : يعني بيض النعام . والروض جمع روضة : وهي البستان الحسن ، في أرض سهلة ذات رواب يستنقع فيها الماء . وأصغر الرياض مئة ذراع . وقد استعمل عدي " الروض " على الإفراد فقال : " زهره مستنير " ، كأنه عده مفردًا مذكرًا ، كأنه حمله على وزن مثله من المفرد ، مثل ثور ونور ، وأشباهها فذكره للفظه ، وإن كنت أستجيز أن يكون " الروض " مفردًا غير جمع ، ولم أجد ذلك في كتب اللغة ، ولكن البيت شاهد عليه ، وإن كانوا يستركون عدي بن زيد . وقوله : " مستنير " من " النور " ، وهو زهر الشجر والنبات . يقال : " نورت الشجرة وأنارت " ، إذا أطلعت زهرها وحسن منظرها . ولم يذكر أهل اللغة " استنارت الشجرة " ، ولكن بيت عدي شاهد جيد ، وهو من عتيق العربية . يصف عديًا عذارى مشرقات في ثياب الوشى ، فشبههن ببيض النعام في أرض قد أصابها الغيث فاستنارت أزهارها من كل لون ، فزادها بهاء ، وزادته حسنًا . وهذا البيت في المخطوطة : " وهو مشتق / مستنير " و " مستنير " مكتوبة في هامش الصفحة ، ولم أدر كيف كان ، والذي في المطبوعة هي الرواية المعروفة ، وأخشى أن يكون الناسخ كتب : " وهو مشتق " ثم عاد فقرأ " مشتق " " مستنير " فكتبها في الهامش ، فيكون الخطأ في كتابته " وهو " ، التي هي : " زهره " .