محمد بن جرير الطبري

292

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإنما قلنا إن ذلك " الكتاب " هو التوراة ، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين ، وبالتوراة بزعمهم مصدّقين ، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرُّون ، أبلغَ ، وللعذر أقطعَ . * * * القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) } يعني جل ثناؤه بقوله : " بأنهم قالوا " ، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق : من أجل قولهم : ( 1 ) " لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات " = وهي أربعون يومًا ، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل ( 2 ) = ثم يخرجنا منها ربنا ، اغترارًا منهم = " بما كانوا يفترون " ، يعني : بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل ، في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحِبّاؤه ، وأن الله قد وعد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخل أحَدًا من ولده النار إلا تَحِلَّةَ القسم . ( 3 ) فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم ، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار هم فيها خالدون ، دون المؤمنين بالله ورُسله وما جاءوا به من عنده . * * *

--> ( 1 ) قوله : " من أجل قولهم " تفسير لمعنى الباء في قوله : " ذلك بأنهم قالوا " ، وانظر تفسير ذلك وبيانه فيما سلف 2 : 139 في تفسير قوله تعالى : " ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله " . ( 2 ) انظر تفسير قولهم : " لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة " فيما سلف 2 : 274 - 278 . ( 3 ) التحلة ( بفتح التاء وكسر الحاء ، وتشديد اللام المفتوحة ) : هو ما تكفر به يمينك . ويقال : " لم يفعل هذا الأمر إلا تحلة القسم " : أي لم يفعله إلا بمقدار ما يحلل به قسمه ويخرج منه ، غير مبالغ في ذلك الفعل . والمعنى : أن النار لا تمسهم إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف .