محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقوله : " ذو عسرة " ، مرفوع ب " كان " ، فالخبر متروك ، وهو ما ذكرنا . وإنما صلح ترك خبرها ، من أجل أنّ النكرات تضمِرُ لها العربُ أخبارَها ، ولو وُجِّهت " كان " في هذا الموضع ، إلى أنها بمعنى الفعل المكتفِي بنفسه التام ، لكان وجهًا صحيحًا ، ولم يكن بها حاجة حينئذ إلى خبر . فيكون تأويلُ الكلام عند ذلك : وإن وُجد ذُو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم ، فنَظِرة إلى ميسرة . وقد ذكر أنّ ذلك في قراءة أبي بن كعب : ( وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ ) ، بمعنى : وإن كان الغريم ذا عسرة = " فنظرة إلى ميسرة " . وذلك وإن كان في العربية جائزا فغيرُ جائز القراءة به عندنا ، لخلافه خطوط مصاحف المسلمين . ( 1 ) * * * وأما قوله : ( فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) ، فإنه يعني : فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة ، كما قال : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ) [ سورة البقرة : 196 ] ، وقد ذكرنا وجه رفع ما كان من نظائرها فيما مضى قبلُ ، فأغنى عن تكريره . ( 2 ) . * * * و " الميسرَة " ، المفعلة من " اليُسر " ، مثل " المرْحمة " و " والمشأمة " . * * * ومعنى الكلام : وإن كان من غرمائكم ذو عسرة ، فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدَّين الذي لكم ، ( 3 ) فيصيرَ من أهل اليُسر به . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 186 . ( 2 ) انظر ما سلف 4 : 34 . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " حتى يوسر بما ليس لكم " ، واجتهد مصحح المطبوعة وقال : " لعل ( ليس ) زائدة من الناسخ " . ولا أراه كذلك ، بل قوله " بما ليس " ، هي في الأصل الذي نقل عنه الناسخ " بالدين " مرتبطة الحروف ، كما يكون كثيرا في المخطوطة القديمة ، فلم يحسن الناسخ قراءتها ، فقرأها " بما ليس " ، وحذف " الذي " ، لظنه أنها زائدة سهوا من الناسخ قبله ، وتبين صحة ما أثبتناه ، من كلام الطبري بعد في آخر تفسير الآية . ولو قرئت : " برأس ما لكم " ، لكان صوابا في المعنى ، كما يتبين من الآثار الآتية .