محمد بن جرير الطبري
258
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والأنعام والحرث . فكنى بقوله : " ذلك " عن جميعهن . وهذا يدل على أن " ذلك " يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني ، ويكنى به عن جميع ذلك . * * * وأما قوله : " متاع الحياة الدنيا " ، فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يَستمتع به في الدنيا أهلها أحياءً ، فيتبلَّغون به فيها ، ويجعلونه وُصْلة في معايشهم ، وسببًا لقضاء شهواتهم ، التي زُيِّن لهم حبها في عاجل دنياهم ، ( 1 ) دون أن تكون عدّة لمعادهم ، وقُرْبة لهم إلى ربهم ، إلا ما أسلِك في سبيله ، وأنفق منه فيما أمَر به . ( 2 ) * * * وأما قوله : " والله عنده حسن المآب " ، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : وعند الله حُسن المآب = يعني : حسن المرْجع ، كما : - 6750 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدّي : " والله عنده حسن المآب " ، يقول : حسن المنقلب ، وهي الجنة . * * * = وهو مصدر على مثال " مَفْعَل " من قول القائل : " آب الرجل إلينا " ، إذا رجع ، " فهو يؤوب إيابًا وأوبة وأيبةً وَمآبًا " ، ( 3 ) غير أن موضع الفاء منها مهموز ، والعين مبدلة من " الواو " إلى " الألف " بحركتها إلى الفتح . فلما كان حظها الحركة إلى الفتح ، ( 4 ) وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها - وهو فاء الفعل - انقلبت فصارت " ألفا " ، كما قيل : " قال " فصارت عين الفعل " ألفًا " ، لأن حظها الفتح . " والمآب " مثل " المقال " و " المعاد " و " المجال " ، ( 5 )
--> ( 1 ) في المخطوطة : " زين لهم حملها . . . " ، وهو من أوهام صاحبنا الناسخ . ( 2 ) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف 1 : 539 ، 540 / ثم 3 : 55 / ثم 5 : 260 . ( 3 ) " أيبة " بفتح الهمزة وكسرها وسكون الياء ، وهي على المعاقبة من الواو . ( 4 ) في المخطوطة : " قلنا كان حظها . . . " وهي من لطائف صاحبنا غفر الله له . ( 5 ) في المخطوطة والمطبوعة : " المحال " بالحاء ، والصواب ما أثبت .