محمد بن جرير الطبري

232

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وكما قال ابن مفرِّغ : ( 1 ) فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٌ صَحِيحَةٌ . . . وَرِجْلٌ بِهَا رَيْبٌ مِنَ الحَدَثَانِ ( 2 ) فَأَمَّا الَّتِي صَحَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ ، . . . وَأَمَّا الّتِي شَلَّتْ فَأَزْدُ عُمَانِ وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه ، إذا كان مع المكرر خبر : تردُّه على إعراب الأوّل مرة ، وتستأنفه ثانيةً بالرفع ، وتنصبه في التامِّ من الفعل والناقص ، وقد جُرّ ذلك كله ، فخفض على الردّ على أوّل الكلام ، كأنه يعني إذا خفض ذلك : فكنت كذلك رجلين : كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة . وكذلك الخفض في قوله : " فئة " ، جائز على الردّ على قوله : " في فئتين التقتا " ، في فئة تقاتل في سبيل الله . وهذا وإن كان جائزًا في العربية ، فلا أستجيز القراءة به ، لإجماع الحجة من القرَأة على خلافه . ولو كان قوله : " فئة " ، جاء نصبًا ، كان جائزًا أيضًا على قوله : " قد كان لكم آية في فئتين التقتا " ، مُختلفتين . ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) لم أعرف نسبة هذا الشعر إلى ابن مفرغ ، وهو بلا شك للنجاشي الحارثي ، من قصيدته في معاوية وعلي ، وأكثرها في الوحشيات لأبي تمام ، ووقعة صفين : 601 - 605 . ( 2 ) الوحشيات رقم : 183 ، وحماسة ابن الشجري : 33 ، وخزانة الأدب 2 : 378 ، وأزد شنوءة ، وأزد عمان ، كانا من القبائل التي قاتلت يوم صفين ، وكانت أزد شنودة مع أهل الشام ، وأزد عمان في أهل العراق . ورواية الشعر : " وكنتم كذي رجلين . . . " ، والخطاب لبني تميم وغطفان في قوله قبل ذلك : أَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ . . . تَمِيمًا ، وَهذَا الحَيَّ مِنْ غَطَفَان بيد أن رواية البيت : فأمَّا التي شَلَّتْ فَأَزدُ شَنُوءةٍ . . . وأَمَّا التي صَحَّتْ فَأَزدُ عُمَانِ لأن النجاشي كان مع علي ، وكانت أزد عمان معه . أما أزدشنوءة فكانت مع معاوية . ( 3 ) انظر أكثر هذا وأبسط منه في معاني القرآن للفراء 1 : 192 - 194 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 87 ، 88 .