محمد بن جرير الطبري
225
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
العمل والتعب فيه . ثم إن العرب نقلت معناه إلى : الشأن ، والأمر ، والعادة ، كما قال امرؤ القيس بن حجر : وَإنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَة . . . فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ ( 1 ) كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِث قَبْلَهَا . . . وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ يعني بقوله : " كدأبك " ، كشأنك وأمرك وفعلك . يقال منه : " هذا دَأبي ودأبك أبدًا " . يعني به . فعلي وفعلك ، وأمري وأمرك ، وشأني وشأنك ، يقال منه : " دَأبْتُ دُؤُوبًا ودأْبًا " . وحكى عن العرب سماعًا : " دأبْتُ دأَبًا " ، مثقله محركة الهمزة ، كما قيل : " هذا شعَرٌ ، ونَهَر " ، ( 2 ) فتحرك ثانيه لأنه حرفٌ من الحروف الستة ، ( 3 ) فألحق " الدأب " إذ كان ثانية من الحروف الستة ، كما قال الشاعر : ( 4 ) لَهُ نَعَلٌ لا تَطَّبِي الكَلْبَ رِيحُهَا . . . وَإنْ وُضِعَتْ بَيْنَ الْمَجَالِسِ شُمَّتِ ( 5 ) * * * وأما قوله : " واللهُ شديدُ العقاب " ، فإنه يعنى به : والله شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه . * * *
--> ( 1 ) ديوانه : 125 من معلقته المشهورة ، ثم يأتي في التفسير 12 : 136 ( بولاق ) البيت الثاني . وهو شعر مشهور خبره ، فاطلبه في موضعه . ( 2 ) في المطبوعة : " بهر " بالباء ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها بالنون . ( 3 ) " الحروف الستة " ، يعني حروف الحلق . ( 4 ) هو كثير عزة . ( 5 ) ديوانه 2 : 112 ، الحيوان 1 : 266 ، والبيان 3 : 109 ، 112 واللسان ( نعل ) . ورواية اللسان " وسط المجالس " ، أما رواية الديوان فبخلاف هذا ولا شاهد فيها ، كما سترى . والشعر مما قاله كثير حين بلغه وفاة عبد العزيز بن مروان بمصر ، فرثاه ، فكان مما قال فيه : يَؤُوبُ أُولُو الحَاجَاتِ مِنْهُ إذَا بَدَا . . . إلَى طَيِّبِ الأَثْوَابِ غَيْرِ مُؤَمَّتِ كَأَنَّ اُبْنَ لَيْلَى حِينَ يَبْدُو فَتَنْجَلِي . . . سُجُوفُ الخِبَاءِ عَنْ مَهِيبٍ مُشَمَّتِ مُقَارِبُ خَطْوٍ لا يُغَيِّر نَعْلَهُ . . . رَهِيفَ الشِّرَاكِ ، سَهْلَةَ المُتَسَمَّتِ إِذَا طُرِحتْ لَمْ تَطَّبِ الكَلْبَ رِيحُهَا . . . وَإِنْ وُضِعتْ في مَجْلِس القَوْم شُمَّتِ يقول : لا يلبس من النعال إلا المدبوغ الجلد ، فذهبت رائحة الجلد منها ، لأن النعل إذا كانت من جلد غير مدبوغ ، وظفر بها كلب أقبل عليها بريحها فأكلها . يصفه بأنه من أهل النعمة واليسار والترف . ثم زادها صفة أخرى بأن جعلها قد كسبت من طيب رائحته طيبًا ، حتى لو وضعت في مجلس قوم ، تلفتوا يتشممون شذاها من طيبها . وقوله : " يطبى " من : " اطباه " أي : دعاه إليه .