محمد بن جرير الطبري

205

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّهَا . . . تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا ( 1 ) وأصلهُ من : " آل الشيء إلى كذا " - إذا صار إليه ورجع " يَؤُول أوْلا " و " أوَّلته أنا " صيرته إليه . وقد قيل إنّ قوله : ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ) [ سورة النساء : 59 \ سورة الإسراء : 35 ] أي جزاءً . وذلك أن " الجزاء " هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه . ويعني بقوله : " تأوّلُ حُبها " : تفسير حبها ومرجعه . ( 2 ) وإنما يريد بذلك أنّ حبها كان صغيرًا في قلبه ، فآلَ من الصّغر إلى العظم ، فلم يزل ينبت حتى أصحَب ، فصار قديمًا ، كالسَّقب الصغير الذي لم يزل يَشبّ حتى أصحَبَ فصار كبيرًا مثل أمه . ( 3 )

--> ( 1 ) ديوانه : 88 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 86 الصاحبي : 164 ، اللسان ( صحب ) ( ربع ) ( أول ) ( ولى ) ، ثم ما سيأتي بعد قليل من ذكر رواية أخرى ، لم أجدها في غيره بعد . أما الرواية الأخرى التي جاءت في اللسان ( ربع ) ، ( ولى ) فهي : عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَوًى أَجْنَبِيَّةً . . . تَوَالِىَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا الربعي : الذي ولد في أول النتاج . والسقاب جمع سقب ( بفتح فسكون ) : وولد الناقة ساعة تضعها يقال له " سليل " قبل أن يعرف أذكر هو أم أنثى ، فإذا علم أنه ذكر فهو " سقب " . وأصحب : ذل وانقاد وأطاع . وهذا البيت بهذه الرواية التي ذكرتها هنا ، قد فسرها الأزهري وقال : " هكذا سمعت العرب تنشده . وفسروا " توالي ربعي السقاب " أنه من الموالاة : وهو تمييز شيء من شيء . يقال : " والينا الفصلان عن أمهاتها فتوالت " ، أي فصلناها عنها عند تمام الحول ، وتشتد عليها الموالاة ، ويكثر حنينها في إثر أمهاتها ، ويتخذ لها خندق تحبس فيه وتسرح الأمهات في وجه من مراتعها . فإذا تباعدت عن أولادها سرحت الأولاد في جهة غير جهة الأمهات ، فترعى وحدها ، فتستمر على ذلك وتصحب بعد أيام . أخبر الأعشى أن نوى صاحبته اشتدت عليه ، فحن إليها حنين ربعي السقاب إذا وولى ( فصل ) عن أمه . وأخبر أن هذا الفصيل يستمر على الموالاة ، وأنه يصحب إصحاب السقب . قال الأزهري : وإنما فسرت هذا البيت ، لأن الرواة لما أشكل عليهم معناه ، تخبطوا في استخراجه وخلطوا ، ولم يعرفوا منه ما يعرفه من شاهد القوم في باديتهم " . أما الرواية الأولى ، فقد شرحها أبو جعفر فيما يلي ، وأما روايته الثانية ، وهي قوله : " توابع حبها " ، فإني لم أدر ما معناها ، وأخشى أن يكون صوابها : " نزائع حبها " . والنزائع جمع نزيعة ، يقال : ناقة نازع من نوق نوازع . وناقة نزيعة : وهي التي تحن إلى وطنها . نزع البعير إلى وطنه : حن واشتاق . ( 2 ) في المخطوطة : " وتفسير حبها . . . " بزيادة الواو ، وهو خطأ . وهذا نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 87 ، على خطأ فيه ، إذ ظن الناشر أن قوله : " تفسيره " ، بمعنى الشرح والبيان لهذه الكلمة فوضع بعد نقطتان هكذا : " تفسيره : ومرجعه " وعندئذ فلا معنى للواو في " ومرجعه " ، والصواب ما أثبتناه . ( 3 ) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 87 .