محمد بن جرير الطبري
198
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معنىّ بها كل مبتدع في دين الله بدعةً فمال قلبه إليها ، تأويلا منه لبعض مُتشابه آي القرآن ، ثم حاجّ به وجادل به أهل الحق ، وعدل عن الواضح من أدلة آية المحكمات ، إرادةً منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين ، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك ، كائنًا من كان ، وأيّ أصناف المبتدعة كان ( 1 ) من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية ، أو كان سَبئيًا ، ( 2 ) أو حروريًّا ، أو قدريًّا ، أو جهميًّا ، كالذي قال صلى الله عليه وسلم : " فإذا رأيتم الذين يجادلون به ، فهم الذين عنى الله ، فاحذروهم " ، وكما : - 6622 - حدثني يونس قال ، أخبرنا سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس - وذُكر عنده الخوارجُ وما يُلْقَوْنَ عند القرآن ، ( 3 ) فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويهلكون عند متشابهه ! وقرأ ابن عباس : " وما يعلم تأويله إلا الله " ، الآية . * * * قال أبو جعفر : وإنما قلنا القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله : " ابتغاء الفتنة " ، لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهلَ شرك ، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله ، اللبسَ على المسلمين ، والاحتجاجَ به عليهم ، ليصدّوهم
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " البدعة " ، وصواب قراءتها إن شاء الله " المبتدعة " ، كما يدل عليه السياق . ( 2 ) هكذا كتبت هنا " سبئيًا " ، وقد أسلفنا أنها كتبت في المواضع الماضية " سبائيًا " ، فتركت هذا الرسم كما هو ، وهو صواب . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " وما يلقون عند الفرار " ، وهو كلام لا معنى له ، وإنما أراد أنه ذكر عند ابن عباس ما عليه الخوارج من الخشوع والعبادة والإخبات عند سماع القرآن ، وذلك من أمر الخوارج مشهور ، وهم الذين جاء في صفتهم : " تحقرون صلاتهم إلى صلاتكم " في الحديث المشهور . ولذلك قطعت بأن قراءة ما في المخطوطة هو ما أثبت . ويؤيد ذلك جواب ابن عباس : " يؤمنون بمحكمه ، ويهلكون عند متشابهه " متعجبًا من فعلهم في خشوعهم ، وضلالهم في تأويلهم المبتدع الذي استحلوا به دماء المسلمين وأموالهم .