محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لكان لا شك قد قيل : " هن أمهات الكتاب " . ونظير قول الله عز وجل : " هن أمّ الكتاب " على التأويل الذي قلنا في توحيد " الأم " وهي خبر ل - " هُنّ " ، قوله تعالى ذكره : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) [ سورة المؤمنون : 50 ] ولم يقل : آيتين ، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية . إذ كان المعنى واحدًا فيما جُعلا فيه للخلق عبرة . ( 1 ) ولو كان مرادًا الخبرُ عن كل واحد منهما على انفراده ، ( 2 ) بأنه جعل للخلق عبرة ، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ، لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة . وذلك أن مريم ولدت من غير رجل ، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيًّا ، فكان في كل واحد منهما للناس آية . * * * وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل : " هن أم الكتاب " ، ولم يَقل : " هن أمهات الكتاب " على وجه الحكاية ، كما يقول الرجل : " ما لي أنصار " ، فتقول : " أنا أنصارك " = أو : " ما لي نظير " ، فتقول : " نحن نظيرك " . ( 3 ) قال : وهو شبيهُ : " دَعنى من تَمرْتَان " ، وأنشد لرجل من فقعس : ( 4 ) تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانِ حَلِّ . . . تَعرُّض المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لَمْ تَألُ عَنْ قَتْلا لِي ( 5 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " إذا كان المعنى وإحداثهما جعلنا فيه للخلق عبرة " وهو كلام بلا معنى ، ولكن الناقل عن المخطوطة لم يحسن القراءة ، فإن الألف الأخيرة في " واحدًا " نزلت في مستقر الفاء من " فيما " غير منقوطة ، فظنها " وإحداثهما " ، وبدل " جعلا " فصيرها " جعلنا " ، وهذا من عجائب الخلط . ( 2 ) في المطبوعة : " ولو كان مراده الخبر . . . " والصواب الجيد من المخطوطة . ( 3 ) ربما كان الصواب : " ما لي نصير " ، فتقول : " نحن نصيرك " ، والذي في المطبوعة والمخطوطة صواب لا شك فيه . ( 4 ) هو منظور بن مرثد بن فروة الفقعسي الأسدي . ويقال : " منظور بن فروة بن مرثد " ، وهو نفسه " منظور بن حبة الفقعسي الأسدي " ، و " حبة " أمه ، ويعرف بها . ( 5 ) مجالس ثعلب : 602 ( أبيات كثيرة من هذا الرجز ) وشرح شواهد الشافية : 248 - 251 ، وسر صناعة الإعراب 1 : 177 - 179 / ثم 235 ، واللسان ( طول ) ( قتل ) ، وغيرها . ورواية البيت الأول في مجالس ثعلب " بمجاز حل " ، والأخير " عن قتللى " ، ولا شاهد في هذه الرواية . وقد ذكر في اللسان اختلاف روايته . " والطول " ( بكسر الطاء وفتح الواو واللام غير مشددة كما في الرجز ) : هو الجبل الذي يطول للدابة فترعى فيه ، وإنما شدد الراجز . لم تأل : لم تقصر . والضمير في هذا الشعر إلى صاحبته التي يقول فيها قبل هذه الأبيات : مَنْ لِيَ مِنْ هِجْرَانِ لَيْلَى ? مَنْ لِي ? . . . وَالحَبْلِ مِنْ وِصَالِهَا المُنْحَلِّ ?