محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قال لنا قائل : وكيف إرباء الله الصدقات ؟ قيل : إضعافه الأجرَ لربِّها ، كما قال جل ثناؤه : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) [ سورة البقرة : 261 ] ، وكما قال : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) [ سورة البقرة : 245 ] ، وكما : - 6253 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع قال ، حدثنا عباد بن منصور ، عن القاسم : أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّ الله عز وجل يقبلُ الصّدقة ويأخذها بيمينه فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدُكم مُهْرَه ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد ، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) [ سورة التوبة : 104 ] ، و " يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصّدَقات " . ( 1 ) .
--> ( 1 ) الحديث : 6253 - عباد بن منصور الناجي البصري القاضي : ثقة ، من تكلم فيه تكلم بغير حجة . وقد حققنا توثيقه في شرح المسند : 2131 ، 3316 ، وبينا خطأ من جرحه بغير حق . القاسم : هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، التابعي الثقة الفقيه الإمام . والحديث سيأتي في تفسير سورة التوبة ( ج 11 ص 15 بولاق ) ، عن أبي كريب ، بهذا الإسناد ولكن سقط منه هناك " حدثنا وكيع " . وهو خطأ ظاهر . ورواه أحمد في المسند : 10090 ( 2 : 371 حلبي ) ، عن وكيع ، وعن إسماعيل - وهو ابن علية - كلاهما عن عباد بن منصور . بهذا الإسناد . وساقه على لفظ وكيع ، كرواية الطبري هنا . ولكن وقع في المسند خطأ غريب في تلاوة الآية الأولى ، ففيه : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات " . والآية المتلوة في الحديث هي التي في رواية الطبري هنا : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) ، وهي الآية : 104 من سورة التوبة . وأما الأخرى فالآية : 25 من سورة الشورى ، وتلاوتها : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) وليست تكون موضع الاستشهاد في هذا الحديث . وهذا الخطأ قديم في نسخ المسند ، من الناسخين القدماء ، بدلالة أنه ثبت هذا الخطأ أيضًا في نقل الحافظ ابن كثير هذا الحديث عن المسند ، في جامع المسانيد والسنن 7 : 320 ( مخطوط مصور ) . بل ظهر لي بعد ذلك أن الخطأ أقدم من هذا . لعله من وكيع ، أو من عباد بن منصور . لأن الترمذي روى الحديث 2 : 23 ، عن أبي كريب - شيخ الطبري هنا - عن وكيع ، به . وثبتت فيه تلاوة الآية على الخطأ ، كرواية أحمد عن وكيع . ونقل شارحه المباركفوري عن الحافظ العراقي أنه قال : " في هذا تخليط من بعض الرواة . والصواب : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ) - الآية . وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي ، على الصواب " . بل إن الحافظ المنذري غفل عن هذا الخطأ أيضًا . فذكر الحديث في الترغيب والترهيب 2 : 19 ، عن رواية الترمذي ، وذكر الآية كرواية المسند والترمذي - مخالفة للتلاوة . فإذا كان ذلك كذلك ، فأنا أرجح أن أبا جعفر الطبري رحمه الله سمعه من أبي كريب عن وكيع ، كرواية الترمذي عن أبي كريب ، وكرواية أحمد عن وكيع ، فلم يستجز أن يذكر الآية على الخطأ في التلاوة ، فذكرها على الصواب . وقد أصاب في ذلك وأجاد وأحسن . وقال الترمذي - بعد روايته : " هذا حديث حسن صحيح . وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم - نحو هذا " . ورواية عائشة ستأتي : 6255 . وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 62 ، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره ، عن عمرو بن عبد الله الأودي ، عن وكيع ، بهذا الإسناد ، لكنه لم يذكر الآية الأولى التي وقع فيها الخطأ . وذكره السيوطي 1 : 365 ، وزاد نسبته للشافعي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن خزيمة ، وابن المنذر ، والدارقطني في الصفات . ورواه أحمد أيضًا : 9234 ، عن خلف بن الوليد ، عن المبارك ، وهو ابن فضالة ، عن عبد الواحد ابن صبرة ، وعباد بن منصور ، عن القاسم ، عن أبي هريرة - فذكره بنحوه ، مختصرًا ، ولم يذكر فيه الآيتين . وأشار ابن كثير 2 : 62 ، إلى رواية المسند هذه ، ولكن وقع فيه تخليط من الناسخين . والحديث سيأتي نحو معناه ، مطولا ومختصرًا ، عن أبي هريرة : 6254 ، 6256 ، 6257 . وعن عائشة : 6255 . وسنشير إلى بقية تخريجه في آخرها : 6257 .