محمد بن جرير الطبري
122
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ما اكتسبت ، وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا - : من هم بذنب ، أو إرادة لمعصية - لم تكتسبه جوارحنا ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله ، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها ، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله : " ويعذب من يشاء " ، سعلى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله ، والمرية في وحدانيته ، أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، أو في المعاد والبعث - من المنافقين ، ( 1 ) على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد ، ومن قال بمثل قولهما ، إن تأويل قوله : " أو تخفوه يحاسبكم به الله " ، على الشك واليقين . غير أنا نقول إن المتوعد بقوله : " ويعذب من يشاء " ، هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله ، ( 2 ) وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا = والموعود الغفران بقوله : ( 3 ) " فيغفر لمن يشاء " هو الذي إخفاء ما يخفيه ، ( 4 ) الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداءً تحليلُه وإباحته ، فحرمه على خلقه جل ثناؤه = ( 5 ) أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله ، مما كان جائزا ابتداءً إباحة تركه ، فأوجب فعله على خلقه . فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين - إذا هو لم يصحح همه بما يهم به ، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك
--> ( 1 ) سياق الجملة : " على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله . . من المنافقين " ، وما بينهما صفات فاصلة . ( 2 ) قوله : " الشك والمرية . . . " خبر " كان " . ( 3 ) قوله : " الموعود " منصوب معطوف على قوله " إن المتوعد . . . " ، وقوله : " الغفران " منصوب باسم المفعول وهو " الموعود " ، أي الذي وعد الغفران . ( 4 ) في المطبوعة : " هو الذي أخفى وما يخفيه الهمة بالتقدم . . . " وفي المخطوطة : " هو الذي إحفا وما يخفيه + الهمه " غير منقوطة بهذا الرسم : وصواب قراءة المخطوطة هو ما أثبت . ( 5 ) قوله : " أو على ترك . . . " معطوف على قوله آنفًا : " بالتقدم على بعض ما نهاه . . . "