محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) [ سورة البقرة : 278 - 279 ] الآية ، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك ، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الرّبا ، وأنّ سواءً العملُ به وأكلُه وأخذُه وإعطاؤُه ، ( 1 ) كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : 6249 - " لعن الله آكلَ الرّبا ، وُمؤْكِلَه ، وكاتبَه ، وشاهدَيْه إذا علموا به " . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } قال أبو جعفر : يعني ب - " ذلك " جل ثناؤه : ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم ، كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المسّ من الجنون ، فقال تعالى ذكره : هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قُبْح حالهم ، ووَحشة قيامهم من قبورهم ، وسوء ما حلّ بهم ، من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون : " إنما البيع " الذي أحله الله لعباده = " مثلُ الرّبا " . وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الرّبا من أهل الجاهلية ، كان إذا حلّ مالُ أحدهم
--> ( 1 ) ولكن أهل الفتنة في زماننا ، يحاولون أن يهونوا على الناس أمر الربا ، وقد عظمه الله وقبحه ، وآذن العامل به بحرب من الله ورسوله ، في الدنيا والآخرة ، ومن أضل ممن يهون على الناس حرب ربه يوم يقوم الناس لرب العالمين . فاللهم اهدنا ولا تفتنا كما فتنت رجالا قبلنا ، وثبتنا على دينك الحق ، وأعذنا من شر أنفسنا في هذه الأيام التي بقيت لنا ، وهي الفانية وإن طالت ، وصدق رسول الله بأبي هو وأمي إذ قال : " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا . قيل له : الناس كلهم ؟ ! قال : من لم يأكله ناله من غباره " . ( سنن البيهقي 5 : 275 ) ، فاللهم انفض عنا وعن قومنا غبار هذا العذاب الموبق . ( 2 ) الأثر : 6249 - رواه الطبري بغير إسناد مختصرًا ، وقد استوفى تخريجه ابن كثير في تفسيره 1 : 550 - 551 وساق طرقه مطولا . والسيوطي في الدر المنثور 1 : 367 ، من حديث عبد الله بن مسعود ونسبه لأحمد ، وأبي يعلى ، وابن خزيمة ، وابن حبان . وانظر سنن البيهقي 5 : 275 .