محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقوله : " وما كان من المشركين " ، يقول : لم يكن يشرك في عبادته أحدًا من خلقه . فكذلك أنتم أيضًا ، أيها اليهود ، فلا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه = وأنتم يا معشرَ عبدة الأوثان ، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابًا ، ولا تعبدوا شيئًا من دون الله ، فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينُه إخلاص العبادة لربه وحدَه ، من غير إشراك أحد معه فيه . فكذلك أنتم أيضًا ، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدًا ، فإن جميعكم مقرُّون بأنّ إبراهيم كان على حقّ وَهدْى مستقيم ، فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية ، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها ، أيها الأحزاب ، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق ، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم ، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي ، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة . * * * وإنما قال جل ثناؤه : " وما كان من المشركين " ، يعني به : وما كان من عَدَدهم وأوليائهم . وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم . ونصرةِ بعضهم بعضًا . فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو [ من ] نصرائهم وأهل ولايتهم . ( 1 ) وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين ، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان ، غير الحنيفية . قال : لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا . * * *

--> ( 1 ) الزيادة بين القوسين يستقيم بها الكلام على وجهه .