محمد بن جرير الطبري

92

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لأن " الجاهل بالشيء " ، هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه = أو [ الذي ] يعلمه ، فيشبَّه فاعله ، ( 1 ) إذ كان خطًأ ما فعله ، بالجاهل الذي يأتي الأمر وهو به جاهل ، فيخطئ موضع الإصابة منه ، فيقال : " إنه لجاهل به " ، وإن كان به عالمًا ، لإتيانه الأمر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به . وكذلك معنى قوله : " يعملون السوء بجهالة " ، قيل فيهم : " يعملون السوء بجهالة " = وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله ، عامدين إتيانه ، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام = لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فقيل لمن أتاه وهو به عالم : " أتاه بجهالة " ، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به ، لا أنه كان جاهلا . * * * وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه : أنهم جهلوا كُنْه ما فيه من العقاب ، فلم يعلموه كعلم العالم ، وإن علموه ذنبًا ، فلذلك قيل : " يعملون السوء بجهالة " . ( 2 ) قال أبو جعفر : ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول ، لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كُنْه ما فيه . وذلك أنه جل ثناؤه قال : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " دون غيرهم . فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءًا على علم منه بكنه ما فيه ، ثم تاب من قريب = ( 3 ) توبة ، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه = وقوله : " باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس

--> ( 1 ) في المخطوطة " أو الذي يعمله فيشبه فاعله " وهو خطأ ، صححه ناشر المطبوعة الأولى " يعلمه " ، وزدت " الذي بين القوسين لكي يستوي جانبا الكلام " . ( 2 ) قائل هذا هو الفراء في معاني القرآن 1 : 259 . ( 3 ) قوله : " توبة " اسم " يكون " في قوله : " أن لا يكون للعالم . . . " .