محمد بن جرير الطبري

486

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قيل : إن الناس اختلفوا في معنى ذلك . فقال بعضهم : العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم ، ( 1 ) وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب . وأما الجلد واللحم ، فلا يألمان . قالوا : فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيره ، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة ، وإنما الآلمةُ المعذبةُ : النفسُ التي تُحِس الألم ، ويصل إليها الوجع . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده ، ويحرق ذلك عليه ، ليصل إلى نفسه ألم العذاب ، إذ كانت الجلود لا تألَمُ . * * * وقال آخرون : بل الجلودُ تألم ، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بني آدم . وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده ، وصل ألم ذلك إلى جميعه . قالوا : ومعنى قوله : " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها " : بدلناهم جلودًا غير محترقة . وذلك أنها تعاد جديدة ، والأولى كانت قد احترقتْ ، فأعيدت غير محترقة ، فلذلك قيل : " غيرها " ، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا ، التي عصوا الله وهى لهم . قالوا : وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتمًا من خاتم مَصُوغ ، ( 2 ) بتحويله عن صياغته التي هُو بها ، إلى صياغة أخرى : " صُغْ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره " ، فيكسره ويصوغ له منه خاتمًا غيره ، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول ، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتمًا قيل : " هو غيره " . قالوا : فكذلك معنى قوله : " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها " ، لما

--> ( 1 ) في المخطوطة : " الذي هو الجلد واللحم " ، وهو لا يستقيم ، وأصاب ناشر المطبوعة الأولى في زيادة " غير " . ( 2 ) " استصاغه خاتما " : طلب إليه أن يصوغ له خاتمًا . وهذه صيغة لم تذكرها كتب اللغة ، وهي عربية معرقة ، وقياس صحيح .