محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك : ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) على مذهب ما قد سُمِّي فاعله ، لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله . ألا ترى أنه يقول : " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان لا ولد " ؟ فكذلك الذي هو أولى بقوله : " يوصي بها أو دين " ، أن يكون خبرًا عمن قد سمي فاعله ، لأن تأويل الكلام : ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد = من بعد وصية يوصي بها أو دين = يُقضى عنه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " آباؤكم وأبناؤكم " ، هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم - من قسمة ميراث ميِّتكم فيهم على ما سمي لكم وبيَّنه في هذه الآية - آباؤكم وأبناؤكم ( 1 ) = " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا " ، يقول : أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها ، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم . * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا " .
--> ( 1 ) سياق هذه الجملة : " هؤلاء الذين أوصاكم الله به فيهم . . . آباؤكم وأبناؤكم " ، يريد إعراب " آباؤكم وأبناؤكم " ، وأنه خبر لمبتدأ محذوف . ولم يشر أحد من المفسرين إلى هذا الإعراب . بل قال القرطبي في تفسيره : " رفع بالابتداء ، والخبر مضمر ، تقديره : هم المقسوم عليهم ، وهم المعطون " . وقال الألوسي في تفسيره : " الخطاب للورثة ، وآباؤكم مبتدأ ، وأبناؤكم معطوف عليه ، ولا تدرون مع ما في حيزه خبر له " . وكذلك قال العكبري في إعراب القرآن 1 : 94 . وأجود القول ما قال أبو جعفر في سياق هذه الآية .