محمد بن جرير الطبري

443

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ونسوِّيها = " فنردها على أدبارها " ، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر ، كما وجوه القردة منابت للشعر ، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم . فقالوا : إذا أنبت الشعر في وجوههم ، فقد ردَّها على أدبارها ، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قولُ من قال : معنى قوله : " من قبل أن نطمس وجوها " ، من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء = " فنردها على أدبارها " ، فنجعل أبصارها في أدبارها ، يعني بذلك : فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه ، فيكون معناه : فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا ، فيمشون القهقرى ، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك . * * * وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب : لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة " ، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " الآية ، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم ، ( 2 ) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به . ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا . * * * وإذْ كان ذلك كذلك ، فبيّنٌ فساد قول من قال : تأويل ذلك : أن نعمِيها عن الحق فنردها في الضلالة . فما وجْه ردِّ من هو في الضلالة فيها ؟ ! وإنما يرد في الشيء من كان خارجًا منه . فأما من هو فيه ، فلا وجه لأن يقال : " نرده فيه " . * * * وإذْ كان ذلك كذلك ، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدَّد للذين ذكرهم في هذه

--> ( 1 ) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 272 . ( 2 ) السياق : ثم حذرهم . . . بأسه وسطوته . . .