محمد بن جرير الطبري
431
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
من يقول ذاك ، ومنا من لا يقوله = فتحذف " مَن " اكتفاء بدلالة " مِنْ " عليه ، كما قال ذو الرمة : فَظَلُّوا ، وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ . . . وَآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ ( 1 ) يعني : ومنهم مَن دمعه ، وكما قال الله تبارك وتعالى : ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) [ سورة الصافات : 164 ] . وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجِّهون تأويل قوله : " من الذين هادوا يحرفون الكلم " ، غير أنهم كانوا يقولون : المضمر في ذلك " القوم " ، كأن معناه عندهم : من الذين هادوا قوم يحرِّفون الكلم ، ويقولون : نظير قول النابغة : كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ . . . يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ ( 2 ) يعني : كأنك جمل من جمال أقيش . فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع " مِن " إلا " مَن " أو ما أشبهها . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) ديوانه 485 ، وقبله : مع اختلاف الرواية : بَكَيْتُ عَلَى مَيٍّ بِهَا إذْ عَرَفْتُهَا . . . وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ غَالِبٌ لَهُ . . . وَآخَرُ يَثْنِي عَبْرَةَ العَيْنِ بالهَمْلِ وَهَلْ هَمَلانُ الْعَيْنِ رَاجِعُ مَا مَضَى . . . مِنَ الوَجْدِ ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي وكان في المطبوعة : " يذري دمعة العين بالمهل " وهو خطأ ، وتغيير من الطابع ، وفي المخطوطة " يثني " كما في الديوان . وقوله : " يثني دمعة العين " ، أي يرد هملانها . وقوله : " بالهمل " متعلق بقوله " دمعة " ووضع " دمعة " هنا مصدرًا لقوله : " دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا " ، وزاده هو " دمعة " على وزن " رحمة " في المصادر = وكذلك في رواية " عبرة " ، كلاهما مصدر ، ولم تثبته كتب اللغة . يقول : وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا ، يعني : لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا . ( 2 ) مضى تخريجه فيما سلف 1 : 179 ، تعليق : 2 ، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان ، فأثبته . ( 3 ) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 271 .