محمد بن جرير الطبري

375

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا " ، وقوله : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ؟ فقال له ابن عباس : إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : " ألقى علي ابن عباس مُتَشابه القرآن " ، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بَقيع واحد ، ( 1 ) فيقول المشركون : " إن الله لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده " ! فيقولون : " تعالوا نَقُل " ! ( 2 ) فيسألهم فيقولون : " والله رَبنا ما كنا مشركين " ، قال : فيختم على أفواههم ، ويستنطق جوارحهم ، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين ، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سُوِّيت بهم ولا يكتمون الله حديثًا . 9523 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " يومئذ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا " ، يعني : أن تسوّى الأرضُ بالجبال والأرضُ ، عليهم . ( 3 ) فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ، لو تسوّى بهم الأرض ولم يكتموا الله حديثًا ( 4 ) = كأنهم تمنوا أنهم سوُّوا مع الأرض ، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثًا . * * * وقال آخرون : معنى ذلك : يومئذ لا يكتمون الله حديثًا = ويودّون لو تسوّى بهم الأرض . وليس بمنكتم عن الله شيء من حديثهم ، لعلمه جل ذكره بجميع حديثهم وأمرهم ، فإن همْ كتموه بألسنتهم فجحدوه ، ( 5 ) لا يخفى عليه شيء منه . * * * القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( 6 ) " يا أيها الذين آمنوا " ، صدّقوا الله ورسوله = " لا تقربوا الصلاة " ، لا تصلوا = " وأنتم سكارى " ، وهو جمع " سكران " = " حتى تعلموا ما تقولون " ، في صلاتكم فتميّزون فيها ما أمركم الله به أو ندبكم إلى قيله فيها ، ( 7 ) مما نهاكم عنه وزَجَركم . * * * ثم اختلف أهل التأويل في " السكر " الذي عناه الله بقوله : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " . فقال بعضهم : عنى بذلك السّكر من الشراب .

--> ( 1 ) " البقيع " : المكان المتسع من الأرض ، يكون فيه بعض الشجر . ( 2 ) في المطبوعة : " تعالوا نجحد " ، غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، ولم يستطع أن يعرف لها معنى ، وهي صواب ، وإن كانت كتب اللغة قد قصرت في إثبات هذا المعنى . وذلك أن " نقل " هنا من " القول " يراد به الكذب أو التعريض به ، وقد مر بي ذلك في كتب السيرة مرارًا منها ، ما قرأته في سيرة ابن هشام 3 : 58 ، في خبر مقتل كعب الأشرف وقول محمد بن مسلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا رسول الله ، لا بد لنا من أن نقول " ! فقال رسول الله : " قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك " . وهو شبيه المعنى بالكذب . ( 3 ) في المطبوعة : " أن تسوى الأرض بالجبال عليهم " حذف " الأرض " الثانية ، والصواب ما في المخطوطة . ( 4 ) في المطبوعة : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، وهو خطأ فاحش ، والصواب ما في المخطوطة . ( 5 ) في المطبوعة : " فإنهم إن كتموه بألسنتهم " ، وهو خطأ فاحش أيضًا ، والصواب ما في المخطوطة . ( 6 ) في المطبوعة والمخطوطة : " يعني بذلك جل ثناؤه " ، والسياق يقتضي ما أثبت . ( 7 ) في المطبوعة : " وتقرأون فيها مما أمركم الله . . . " وهو سياق مضطرب جدا ، وفي المخطوطة : " وتقرون فيها مما أمركم الله " غير منقوط ، وهو مضطرب أيضًا ، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت .