محمد بن جرير الطبري

372

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

واختلفت القراءة في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراءة أهل الحجاز ومكة والمدينة : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) " بتشديد " " السين " و " الواو " وفتح " التاء " ، بمعنى : لو تَتَسوّى بهم الأرض ، ثم أدغمت " التاء " الثانية في " السين " ، يراد به : أنهم يودّون لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض . وقرأ آخرون ذلك : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " . وهي قراءة عامة قراءة أهل الكوفة بالمعنى الأول ، غير أنهم تركوا تشديد " السين " ، واعتلوا بأن العرب لا تكاد تجمع بين تشديدين في حرف واحد . وقرأ ذلك آخرون : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بمعنى : لو سوّاهم الله والأرض ، فصاروا ترابًا مثلها بتصييره إياهم ، كما يفعل ذلك بمن ذكر أنه يفعله به من البهائم . قال أبو جعفر : وكل هذه القراءات متقاربات المعنى ، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ ، لأن من تمنى منهم أن يكون يومئذ ترابًا ، إنما يتمنى أن يكون كذلك بتكوين الله إياه كذلك . وكذلك من تمنى أن يكون الله جعله كذلك ، فقد تمنى أن يكون ترابًا . على أن الأمر وإن كان كذلك ، فأعجبُ القراءة إليّ في ذلك : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " كراهية الجمع بين تشديدين في حرف واحد = وللتوفيق في المعنى بين ذلك وبين قوله : ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) [ سورة النبأ : 40 ] . فأخبر الله عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون أن كانوا ترابًا ، ولم يخبر عنهم أنهم قالوا : " يا ليتني كنت ترابًا " . فكذلك قوله : " لو تَسوّى بهم الأرض " فيسوَّوا هم . وهي أعجب إلي ، ليوافق ذلك المعنى الذي أخبرَ عنهم