محمد بن جرير الطبري

331

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأي الأمرين كان ، فليس لهما ، ولا لواحد منهما ، الحكم بينهما بالفرقة ، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك ، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله ، وذلك ما لزم الرجلَ لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف ، إن كان هو الظالم لها . فأما غير ذلك ، فليس ذلك لهما ، ولا لأحد من الناس غيرهما ، لا السلطان ولا غيره . وذلك أن الزوج إن كان هو الظالمَ للمرأة ، فللإمام السبيلُ إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق . وإن كانت المرأة هي الظالمةَ زوجها الناشزةَ عليه ، فقد أباح الله له أخذَ الفدية منها ، وجعل إليه طلاقها ، على ما قد بيناه في " سورة البقرة " . ( 1 ) وإذْ كان الأمرُ كذلك ، لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج ، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه ، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس . وإن بعث الحكمين السلطانُ ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك ، ( 2 ) ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة . يدل على ذلك ما قد بيناه قبلُ من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ، والقائلين بقوله . ( 3 ) ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين ، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم ، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما . وإنما قلنا : " ليس لهما التفريق " ، للعلة التي ذكرناها آنفًا . وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما ، إذا ارتفع إليه الزوجان ، فشكا كل واحد منهما صاحبه ، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل . لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل ، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه . * * *

--> ( 1 ) انظر ما سلف 4 : 549 - 583 . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " ولا يجوز لهما " بالواو ، والصواب بالفاء . ( 3 ) انظر الآثار السالفة من 9407 - 9409 .