محمد بن جرير الطبري

275

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال : كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه ، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولىً فورثه . 9268 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " ، فكان الرجل يعاقد الرجل : أيُّهما مات ورثه الآخر . فأنزل الله : ( وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ) [ سورة الأحزاب : 6 ] ، يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً ، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت . وذلك هو المعروف . 9269 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدًا " ، كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول : " دمي دمُك ، وهَدَمي هَدَمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك " . ( 1 ) فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام ، ثم يقسم أهل الميرات ميراثهم . فنسخ ذلك بعد في " سورة الأنفال " فقال الله : ( وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) [ سورة الأنفال : 6 ] . 9270 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا

--> ( 1 ) قولهم : " دمي دمك " ، أي : إن قتلني إنسان طلبت بدمي كما تطلب دم وليك وأخيك . و " الهدم " ( بسكون الدال وتحريكها ) ، فإذا سكنت الدال ، فمعناه : من هدم لي عزًا وشرفًا فقد هدمه منك ، أو : من أهدر دمي فقد أهدر دمك = أو : ما عفوت أنا عنه من الدم ، فعليك أن تعفو عنه . وأما " الهدم " ( بفتح الدال ) : فأصله : الشيء الذي انهدم ، وهو قريب المعنى من الأول ، ويقال : هو القبر ، أي : أقبر حيث تقبر . يريدون : لا تفارقني ولا أفارقك في الحياة والممات . وقولهم : " تطلب بي وأطلب بك " ، أي : تطلب الثأر بي ، إذا أصابني مكروه ، وأفعل ذلك بك . و " الباء " هنا بمعنى : السبب ، أي بسببي ومن جراء ما أصابني . وهذه الكلمات كلها توثيق في العهد ، وعقد لازم يوجب على الرجلين أن يتعاونا في الخير والشر ، لا يفارق أحدهما صاحبه في المحنة والبلاء .