محمد بن جرير الطبري
255
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الله ، أمرَ أن يُعمل بها ، لا يُعمل بها ، ( 1 ) فأردنا أن نلقَى أمير المؤمنين في ذلك ؟ فقدم وقدموا معه ، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : متى قدمت ؟ قال : منذ كذا وكذا . قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف ردّ عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ ناسًا لقوني بمصر فقالوا : " إنا نرى أشياءَ من كتاب الله تبارك وتعالى ، أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها " ، فأحبُّوا أن يلقوك في ذلك . فقال : اجمعهم لي . قال : فجمعتهم له = قال ابن عون : أظنه قال : في بَهْوٍ ( 2 ) = فأخذ أدناهم رجلا فقال : أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله ؟ قال : نعم . قال ، فهل أحصيته في نفسك ؟ ( 3 ) قال ، اللهم لا ! = قال : ولو قال : " نعم " لخصَمَه ( 4 ) = قال : فهل أحصيته في بصرك ؟ هل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك ؟ ( 5 ) قال : ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم ، فقال : ثكلتْ عمر أمُّه ! أتكلِّفونه أن يقيمَ الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات . قال : وتلا " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريمًا " . هل علم أهل المدينة = أو قال هل علم أحدٌ = بما قَدِمتم ؟ قالوا ، لا ! قال : لو علموا لوعَظْت بكم . ( 6 )
--> ( 1 ) في المخطوطة : " أمر أن يعمل بها لا نعمل بها " بالنون في الثانية ، وما في المطبوعة وابن كثير هو الصواب ، لأنه جاءوا في شكاة عاملهم في مصر ، كما هو ظاهر من آخر الأثر . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " في نهر " ، والصواب من تفسير ابن كثير . و " البهو " : البيت المقدم أمام البيوت . وكل هواء أو فجوة ، فهو عند العرب " بهو " . ( 3 ) " أحصى الشيء " : أحاط به وحفظه ، يعني : هل استوفيتم القيام بكل أمر به في ذلك وحفظتموه وضبطتم العمل به ، ومنه قوله تعالى : " عَلَم أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ " أي : أن تطيقوا القيام به . ( 4 ) " خاصمت الرجل فخصمته " : أي غلبته بالحجة . ( 5 ) " الأثر " : ما تتركه في الأرض من ثقل خطاك عليها ، وأراد به هنا : السعي في الأرض . كالذي في قوله تعالى : " ونكتب ما قدموا وآثارهم " ، أي خطاهم حيث سعوا في الأرض . ( 6 ) الأثر : 9230 - خرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 423 ، 424 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 145 ، وقال ابن كثير : " إسناد صحيح ومتن حسن ، وإن كانت رواية الحسن عن عمر ، وفيها انقطاع ، إلا أن مثل هذا اشتهر ، فتكفي شهرته " . وقال السيوطي : " أخرج ابن جرير بسند حسن " . وقوله : " لوعظت بكم " ، أي : لأنزلت بكم من العقوبة ، ما يكون عظة لغيركم من الناس . وذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر ، وتشددوا ولم ييسروا ، وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام ، وما أمرهم الله به . وذلك من الفتن الكبيرة . ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه ، وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه . وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام . وإنما قلت هذا وشرحته ، مخافة أن يحتج به محتج من ذوي السلطان والجبروت ، في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها ، كما هو أمر الطغاة والجبابرة من الحاكمين في زماننا هذا .