محمد بن جرير الطبري
228
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
= فإن يكن قبله ، فذلك الخَلْف من الكلام الذي لا معنى له ، ( 1 ) لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحدُ المتبايعين على صاحبه ما لم يكن له مالكًا ، فيكون لتخييره صاحبه فيما مَلك عليه وجه مفهوم ( 2 ) = ولا فيهما من يجهلُ أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو لهُ غير مالك بعوَض يعتاضُه منه ، فيقال له : " أنت بالخيار فيما تريدُ أن تحدثه من بيع أو شراء " . = أو يكون - إذْ بطل هذا المعنى ( 3 ) - تخيير كلّ واحد منهما صاحبه مع عقد البيع . ومعنى التخيير في تلك الحال ، نظيرُ معنى التخيير قبلها . لأنها حالة لم يَزُل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه ، فيكون للتخيير وجه مفهوم . = أو يكون ذلك بعد عقد البيع ، إذْ فَسد هذان المعنيان . ( 4 ) وإذْ كان ذلك كذلك ، صحّ أن المعنى الآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم - أعني قوله : " ما لم يتفرقا " - إنما هو التفرّق بعد عقد البيع ، كما كان التخيير بعده . وإذْ صحّ ذلك ، فسد قولُ من زعم أن معنى ذلك إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع . وإذ فسد ذلك ، صحّ ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده ، وصحّ تأويل من قال : معنى قوله : " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " : إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض ، عن مِلْك منكم عمن مَلكتموها عليه ، بتجارة تبايعتموها بينكم ، وافترقتم عنها عن تراض منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانكم ، أو تخيير بعضكم بعضًا . ( 5 ) * * *
--> ( 1 ) " الخلف " ( بفتح الخاء وسكون اللام ) : هو الكلام الرديء الخطأ ، يقال : " هذا خلف من القول " ، وفي المثل : " سكت ألفًا ، ونطق خلفًا " ، للذي يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ . ( 2 ) في المطبوعة : " فيما يملك عليه " ، والصواب من المخطوطة . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " إن بطل . . . " والأجود ما أثبت . ( 4 ) في المطبوعة : " إذا فسد . . . " ، والصواب " إذ " كما في المخطوطة . ( 5 ) في المخطوطة والمطبوعة : " أو يخير بعضكم . . . " ، ورجحت ما أثبت .