محمد بن جرير الطبري

196

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ . * * * فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز ، إذ كانتا مختلفتي المعنى ، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني = فقد أغفل ( 1 ) وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا ، فغير دافع أحدُهما صاحبه . لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، الحدَّ . 9084 - فقال صلى الله عليه وسلم : " إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها ، كتابَ الله ، ولا يُثَرِّبْ عليها . ثم إن عادت فليضربها ، كتابَ الله ، ولا يُثرّبْ عليها . ثم إن عادت فليضربها ، كتابَ الله ، ولا يُثرّب عليها . ثم إن زَنت الرابعة فليضربها ، كتابَ الله ، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ " . ( 2 )

--> ( 1 ) قوله : " فقد أغفل " ، جواب الشرط في قوله : " فإن ظن ظان . . . " . وقوله : " أغفل " فعل لازم غير متعد ، أي : دخل في الغفلة ، وانظر تفسير مثله فيما سلف 1 : 151 ، تعليق : 1 / 5 : 52 ، تعليق : 4 = ثم : 160 ، تعليق : 1 . ( 2 ) الأثر : 9084 - حديث صحيح ، رواه من غير إسناد ، وكأنه من مسند أبي هريرة ، رواه البخاري بغير هذا اللفظ ( الفتح 4 : 350 / 12 : 143 - 147 ) ومسلم 12 : 211 / وأحمد في مسنده رقم : 7389 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8 : 242 - 244 ، من طرق . وقوله : " كتاب الله " على النصب ، وفي رواية للنسائي " بكتاب الله " . وقوله صلى الله عليه وسلم : " ولا يثرب عليها " ، أي : لا يعيرها بالزنا ، ولا يبكتها بما أتت ، ولا يعنف عليها باللوم . وهذا أدب نبي الله صلى الله عليه وسلم لأمته : أن لا تعير مرتكبًا بما ارتكب ، وأن ترفق به ، وتعرض عن تذكيره بالفاحشة ، لئلا تمتلئ نفسه كمدًا وغيظًا وحقدًا على الناس . ولكنك ترى أهل زماننا ، يستطيلون على كل من أتى جرمًا ، فتمتلئ الصحافة بالسب والتعريض ، وقبيح الصفات لكل من أتى جرمًا ، كأن أحدهم قد أخذ عهدًا على أيامه البواقي أن لا يتورط في إثم أو جريمة . ومن يدري ، فلعل أطولهم لسانًا في ذلك ، أكثرهم استخفاء بما هو أشد من ذلك الجرم الذي ارتكبه المرتكب .