محمد بن جرير الطبري

143

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جُناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " = ثم قال : " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " = " ولا تنكِحوا ما نَكح آباؤكم من النساء " . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : فكل هؤلاء اللواتي سَمَّاهن الله تعالى وبيَّن تحريمَهن في هذه الآية ، مُحَرَّمات ، غيرُ جائز نكاحُهن لمن حَرَّم الله ذلك عليه من الرجال ، بإجماع جميع الأمة ، لا اختلاف بينهم في ذلك : إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يدخُلْ بهن أزواجُهن ، فإن في نكاحهن اختلافًا بين بعض المتقدِّمين من الصحابة : إذا بانت الابنة قبلَ الدخول بها من زوجها ، هل هُنّ من المُبْهمات ، أم هنّ من المشروط فيهن الدخول ببناتهنّ ؟ فقال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم : من المُبهمات ، ( 2 ) وحرام على من

--> ( 1 ) الأثر : 8950 - " عمرو بن سالم " ، هو : " أبو عثمان الأنصاري " قاضي مرو ، مختلف فيه وفي اسم أبيه اختلاف كثير . وقيل : " اسمه كنيته " ، وهو مشهور بكنيته ، ولكن الطبري جاء به غير مكنى باسمه واسم أبيه . ( 2 ) " المبهمات " هن من المحرمات : ما لا يحل بوجه ولا سبب كتحريم الأم والأخت وما أشبهه . وقال القرطبي في تفسيره ( 5 : 107 ) : " وتحريم الأمهات عام في كل حال ، لا يتخصص بوجه من الوجوه ، ولهذا يسميه أهل العلم : ( المبهم ) ، أي لا باب فيه ولا طريق إليه ، لانسداد التحريم وقوته " . وسأسوق لك ما قاله الأزهري في تفسيرها قال : " رأيت كثيرًا من أهل العلم يذهبون بهذا إلى إبهام الأمر واستبهامه ، وهو إشكاله = وهو غلط . قال : وكثير من ذوي المعرفة لا يميزون بين المبهم وغير المبهم من ألوان الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه . قال : ولما سئل ابن عباس عن قوله : " وأمهات نسائكم " ولم يبين الله الدخول بهن ، أجاب فقال : هذا من مبهم التحريم ، الذي لا وجه فيه غير التحريم ، سواء دخلتم بالنساء أو لم تدخلوا بهن . فأمهات نسائكم حرمن عليكم من جميع الجهات . وأما قوله : " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ، فالربائب ههنا لسن من المبهمات ، لأن لهن وجهين مبينين : أحللن في أحدهما ، وحرمن في الآخر . فإذا دخل بأمهات الربائب حرمت الربائب ، وإن لم يدخل بأمهات الربائب لم يحرمن " فهذا تفسير " المبهم " الذي أراده ابن عباس فافهمه " . وعقب على هذا ابن الأثير فقال : " هذا التفسير من الأزهري ، إنما هو للربائب والأمهات ، لا الحلائل ، وهو في أول الحديث إنما جعل سؤال ابن عباس عن الحلائل لا عن الربائب " ، وهو تعقيب غير جيد . ثم انظر " الإنصاف " للبطليوسي : 28 ، 29 .