محمد بن جرير الطبري

464

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وعلة من قال : " إنما الإيلاء في الغضب والضَرار " : أنّ الله تعالى ذكره إنما جعل الأجلَ الذي أجَّل في الإيلاء مخرجًا للمرأة من عَضْل الرجل وضراره إياها ، ( 1 ) فيما لها عليه من حُسن الصحبة والعِشرة بالمعروف . وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا ولا مُضارًا بيمينه وحلفه على ترك جماعها ، بل كان طالبًا بذلك رضاها ، وقاضيًا بذلك حاجتها ، لم يكن بيمينه تلك مُوليًا ، لأنه لا معنى هنالك لَحِق المرأةَ به من قِبَل بعلها مساءةٌ وسوء عشرة ، ( 2 ) فيجعل الأجل - الذي جُعل للمولي - لها مخرجًا منه . ( 3 ) * * * وأما علة من قال : " الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء " ، عموم الآية ، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله : " للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر " بعضًا دون بعض ، بل عمّ به كلَّ مُولٍ ومُقسِم . فكل مقسِم على امرأته أن لا يغشاها مدةً هي أكثر من الأجل الذي جَعل الله له تربُّصه ، فمُولٍ من امرأته عند بعضهم . وعند بعضهم : هو مُولٍ ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعل له تربُّصه . * * * وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم : أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدَّه للمُولي مخرجًا للمرأة مِن سوء عشرتها بعلها إياها وضراره بها . وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقرَبها ، بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضِّرار ، من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءَها أو يغيظها . لأن كل ذلك ضررٌ عليها وسوء عشرة لها . * * *

--> ( 1 ) العضل من الزوج لامرأته : أن يضارها ولا يحسن عشرتها ، فهو لا يعاملها معاملة الأزواج ولا يتركها تتصرف في نفسها . ( 2 ) في المطبوعة : " يلحق المرأة " والصواب من المخطوطة . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " الذي جعل المولى " وصواب السياق يقتضي ما أثبت . والضمير في " منه " راجع إلى " لا معنى هنالك " .