محمد بن جرير الطبري
414
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إذا قال لرجل : " أنى لك هذا المال " ؟ يريد : من أيّ الوجوه لك . ولذلك يجيب المجيبُ فيه بأن يقول : " من كذا وكذا " ، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم : ( أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) [ سورة آل عمران : 37 ] . وهي مقاربة " أين " و " كيف " في المعنى ، ولذلك تداخلت معانيها ، فأشكلت " أنَّى " على سامعيها ومتأوِّليها ، ( 1 ) حتى تأوَّلها بعضهم بمعنى : " أين " ، وبعضهم بمعنى " كيف " ، وآخرون بمعنى : " متى " - وهي مخالفة جميع ذلك في معناها ، وهن لها مخالفات . وذلك أن " أين " إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال - وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها . ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال : " أين مالك " ؟ لقال : " بمكان كذا " ، ولو قال له : " أين أخوك " ؟ لكان الجواب أن يقول : " ببلدة كذا أو بموضع كذا " ، فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله . فيعلم أن " أين " مسألة عن المحل . ولو قال قائل لآخر : " كيف أنت " ؟ لقال : " صالح ، أو بخير ، أو في عافية " ، وأخبره عن حاله التي هو فيها ، فيعلم حينئذ أن " كيف " مسألةٌ عن حال المسؤول عن حاله . ولو قال له : " أنَّى يحيي الله هذا الميت ؟ " ، لكان الجواب أن يقال : " من وجه كذا ووجه كذا " ، فيصف قولا نظيرَ ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال : ( أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) [ سورة البقرة : 259 ] فعلا ( 2 ) حين بعثه من بعد مماته .
--> ( 1 ) في المخطوطة : " على سامعيها ومتاولها " بالجمع مرة والإفراد أخرى . وفي المطبوعة : " على سامعها ومتأولها " بالإفراد . ( 2 ) قوله " فعلا " مفعول قوله : " نظير ما وصف الله . . . فعلا " يعني أن الله تعالى وصف بعد ذلك " فعلا " وهذا الفعل هو بعثه من بعد مماته ، وذلك قول الله تعالى في عقب ذلك } : فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ {