محمد بن جرير الطبري
344
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيل : أنكرنا ذلك لقيام الحجة على أنّ من حلَّت في ماله الزكاة المفروضة فهلكَ جميعُ ماله إلا قَدْرُ الذي لَزِم مالَه لأهل سُهْمان الصدقة ، أنّ عليه أن يسلمه إليهم ، إذا كانَ هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله ، إليهم . ( 1 ) وذلك لا شك أنه جُهْده - إذا سلّمه إليهم - لا عفوُه . وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علَّم عبادَه وَجْه إنفاقهم من أموالهم " عفوا " ، ما يبطل أن يكون مستحقًا اسم " جهد " في حالة . وإذا كان ذلك كذلك ، فبيِّنٌ فسادُ قول من زعم أن معنى " العفو " هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه فأعطاه ، كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره ، وقولِ من زعم أنه الصدقة المفروضة . وكذلك أيضًا لا وَجه لقول من يقول إن معناه : " ما لم يتبيّن في أموالكم " ، ( 2 ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لبابة : " إنّ من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة " ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يكفيك من ذلك الثلث ! " ، وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوًا من ذلك . ( 3 ) والثلث لا شك أنه بيِّنٌ فَقْدُه من مال ذي المال ، ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه : ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) [ سورة الفرقان : 67 ] ، وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ
--> ( 1 ) في المطبوعة : " الواجب كان لهم ما له إليهم " ، وزيادة " في " واجبة لتمام المعنى واستقامته يعني : . . . أداء الواجب في ماله إليهم ، وقوله : " كان لهم " صفة لقوله " الواجب " . ( 2 ) انظر هذا القول فيما سلف قريبًا ص : 338 . ( 3 ) حديث توبة أبي لبابة بن المنذر ، وانخلاعه من ماله في المسند 3 : 452 ، 502 قال ، لما تاب الله عليه في أمر غزوة بني قريظة ( انظر سيرة ابن هشام 3 : 247 ، 248 ) يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي ، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجزئ عنك الثلث . وأما خبر كعب بن مالك ، فهو خبر الثلاثة الذين خلفوا ( رواه البخاري في غزوة بني قريظة 6 : 7 ) ، فلما تاب الله عليه قال : إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى رسوله ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك .