محمد بن جرير الطبري

336

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

حرامًا . ثم أنزل الله جل وعز في " سورة المائدة " بعد غزوة الأحزاب : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) إلى ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) فجاء تحريمها في هذه الآية ، قليلها وكثيرها ، ما أسكر منها وما لم يسكر . وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها . ( 1 ) 4151 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع قوله : " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " ، قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر ، قال : ثم نزلت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر . قال : ثم نزلت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) ، فحرّمت الخمر عند ذلك . 4152 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " يسألونك عن الخمر والميسر " الآية كلها ، قال : نسخت ثلاثةً ، ( 2 ) في " سورة المائدة " ، وبالحدّ الذي حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وضَرْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم . قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدًّا ، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه ، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ ، وقرأ : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) الآية . ( 3 )

--> ( 1 ) قوله : " عيش " مجاز حسن ، لم تقيده كتب اللغة ، ويعني به : المتاع واللذة . وأصل " العيش " : المطعم والمشرب وما تكون به الحياة . فنقل إلى المتاع ، ومثله ما جاء في الأثر : " لا عيش إلا عيش الآخرة " ، فأولى أن يفسر بالمتاع واللذة . ( 2 ) يقال : " نسخت ثلاثًا " ، أي ثلاث مرات من النسخ ، ويجوز " نسخت ثلاثة " كما هنا ، أي ثلاثة نسوخ ، لتذكير " النسخ " . ( 3 ) يعني أن آية البقرة هذه ، نسختها آية المائدة نسخًا واحدًا ، ثم جعل الله حدها الضرب غير مسمى العدد ، فكان نسخًا ثانيًا ، ثم اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه في عدد الضرب وصورته ، فكان اجتهاده نسخًا ثالثًا .