محمد بن جرير الطبري

288

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يكون به متصلا وكان ابتداءً لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام ; لأن قائلا لو كان قال مبتدئًا كلامًا لآخر : " أم عندك أخوك " ؟ لكان قائلا ما لا معنى له . ولكن لو قال : " أنت رجل مُدِلٌّ بقوتك أم عندك أخوك ينصرك ؟ " كان مصيبًا . وقد بينَّا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته . * * * فمعنى الكلام : أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة ، ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار ، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من " البأساء " - وهو شدة الحاجة والفاقة = " والضراء " - وهي العلل والأوصاب ( 1 ) - ولم تزلزلوا زلزالهم - يعني : ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم ، فيقولون : متى الله ناصرنا ؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ ، وأنه مُعليهم على عدوِّهم ، ومظهرهم عليه ، فنجَّز لهم ما وعدهم ، وأعلى كلمتهم ، وأطفأ نار حرب الذين كفروا . * * * وهذه الآية - فيما يزعم أهل التأويل - نزلت يومَ الخندق ، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد ، من خوف الأحزاب ، وشدة أذى البرد ، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) إلى قوله : ( وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ) [ الأحزاب : 9 - 11 ]

--> ( 1 ) انظر معنى " البأساء والضراء " فيما سلف 3 : 349 - 352 .