محمد بن جرير الطبري
154
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الذي وصف أمره ، باجتناب خلتين مما نهاه الله عنه في حجه دون الثالثة التي هي مقرونة بهما . ولكن لما كان معنى الثالثة مخالفا معنى صاحبتيها = في أنها خبر على المعنى الذي وصفنا ، وأن الأخريين بمعنى النهي الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مجتنبهما في حجه مستوجب ما وصف من إكرام الله إياه مما أخبر أنه مكرمه به - إذ كانتا بمعنى النهي - ( 1 ) وكان المنتهي عنهما لله مطيعا بانتهائه عنهما = ترك ذكر الثالثة ، ( 2 ) إذ لم تكن في معناهما ، وكانت مخالفة سبيلها سبيلهما . * * * فإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالقراءة من القراءات المخالفة بين إعراب " الجدال " وإعراب " الرفث والفسوق " ، ليعلم سامع ذلك - إذا كان من أهل الفهم باللغات - أن الذي من أجله خولف بين إعرابيهما اختلاف معنييهما . وإن كان صوابا قراءة جميع ذلك باتفاق إعرابه على اختلاف معانيه ، إذ كانت العرب قد تتبع بعض الكلام بعضا بإعراب ، مع اختلاف المعاني ، وخاصة في هذا النوع من الكلام . فأعجب القراءات إلي في ذلك - إذ كان الأمر على ما وصفت - قراءة من قرأ : " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " ، برفع " الرفث والفسوق " وتنوينهما ، وفتح " الجدال " بغير تنوين . وذلك هو قراءة جماعة البصريين ، وكثير من أهل مكة ، منهم عبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء . ( 3 ) * * * وأما قول من قال : معناه : النهي عن اختلاف المختلفين في أتمهم حجا ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " إذا كانتا بمعنى النهي " وهو خطأ والصواب ما أثبت . ( 2 ) في المطبوعة : " وترك ذكر الثالثة " وهذه الواو مقحمة من النساخ بلا شك . وسياق هذه الجملة بطولها : " ولكن لما كان معنى الثالثة مخالفا معنى صاحبتيها . . . ، إذا كانتا بمعنى النهي ، وكان المنتهى عنهما لله مطيعا بانتهائه عنهما . . . ترك ذكر الثالثة " وبهذا يتبين صواب التصحيح في لموضعين السالفين . ( 3 ) انظر تفصيل ذلك مستوعبا في معاني القرآن للفراء 1 : 120 - 122 .