محمد بن جرير الطبري
149
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قولُ من قال : معنى ذلك : قد بطل الجدال في الحج ووقته ، واستقام أمره ووقته على وقت واحد ، ومناسك متفقة غير مختلفة ، ولا تنازع فيه ولا مراء . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات ، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه . وإنما اخترنا هذا التأويل في ذلك ، ورأيناه أولى بالصواب مما خالفه ، لما قد قدمنا من البيان آنفا في تأويل قوله : " ولا فسوق " ، أنه غير جائز أن يكون الذي خص بالنهي عنه في تلك الحال [ إلا ما هو ] مطلق مباح في الحال التي يخالفها ، ( 1 ) وهي حال الإحلال . وذلك أن حكم ما خص به من ذلك حكم حال الإحرام ، إن كان سواء فيه حال الإحرام وحال الإحلال ، فلا وجه لخصوصه به حالا دون حال ، وقد عم به جميع الأحوال . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان لا معنى لقول القائل في تأويل قوله : " ولا جدال في الحج " ، أن تأويله : لا تمار صاحبك حتى تغضبه ، إلا أحد معنيين : إما أن يكون أراد : لا تماره بباطل حتى تغضبه ، فذلك ما لا وجه له . لأن الله عز وجل ، قد نهى عن المراء بالباطل في كل حال ، محرما كان المماري أو محلا فلا وجه لخصوص حال الإحرام بالنهي عنه ، لاستواء حال الإحرام والإحلال في نهي الله عنه . أو يكون أراد : لا تماره بالحق ، وذلك أيضا ما لا وجه له . لأن المحرم لو رأى رجلا يروم فاحشة ، كان الواجب عليه مراءه في دفعه عنها ، أو رآه يحاول ظلمه والذهاب منه بحق له قد غصبه عليه ، كان عليه مراؤه فيه وجداله حتى يتخلصه منه . والجدال والمراء لا يكون بين الناس إلا من أحد وجهين : إما من قبل ظلم ، وإما من قبل حق ، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال ، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال ، فأي وجوهه التي خص بالنهي عنه حال الإحرام ؟
--> ( 1 ) هذه الزيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام . وكان في الأصل أيضًا : " أنه غير جائز أن يكون الله خص . . " واستقامة الكلام تقتضي ما أثبت .