محمد بن جرير الطبري

120

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

= ونظائر ذلك مما يطول باستيعاب ذكره الكتاب ، مما يدل على أن معنى قيل من قال : وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل ، أنهن من غير شهور العمرة ، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة ، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن . * * * وأما الذين قالوا : تأويل ذلك : شوال ، وذو القعدة ، وعشر ذي الحجة ، فإنهم قالوا : إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : " الحج أشهر معلومات " إلى تعريف خلقه ميقات حجهم ، لا الخبر عن وقت العمرة . قالوا : فأما العمرة ، فإن السنة كلها وقت لها ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في بعض شهور الحج ، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك ، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة ، علم أن معنى قوله : " الحج أشهر معلومات " إنما هو ميقات الحج ، شهران وبعض الثالث . * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، قول من قال : إن معنى ذلك : الحج شهران وعشر من الثالث ; لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج ، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى ، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث ، وإذا لم يكن معنيا به جميعه ، صح قول من قال : وعشر ذي الحجة . * * * فإن قال قائل : فكيف قيل : " الحج أشهر معلومات " وهو شهران وبعض الثالث ؟ قيل : إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك ، فتقول : " له اليوم يومان منذ لم أره " ، وإنما تعني بذلك : يوما وبعض آخر ، وكما قال جل ثناؤه : ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) [ البقرة : 203 ] وإنما يتعجل في يوم ونصف . وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة ، ثم يخرجه