محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

على الحكم المأتي يوما إذا قضى قضيته ، أن لا يجور ويقصد ( 1 ) فزعم أنه رفع " يقصد " بمعنى " ينبغي " . والمحكي عن العرب سماعا غير الذي قال . وذلك أنه روي عنهم سماعا : " فتصنع ماذا " ، إذا أرادوا أن يقولوا : " فتريد أن تصنع ماذا " ، فينصبونه بنية " أن . وإذا لم ينووا " أن " ولم يريدوها ، قالوا : " فتريد ماذا " ، فيرفعون " تريد " ، لأن لا جالب ل " أن " قبله ، كما كان له جالب قبل " تصنع " . فلو كان معنى قوله " لا تضار " إذا قرئ رفعا بمعنى : " ينبغي أن لا تضار " أو " ما ينبغي أن تضار " ، ثم حذف " ينبغي " و " أن " ، وأقيم " تضار " مقام " ينبغي " ، لكان الواجب أن يقرأ - إذا قرئ بذلك المعنى - نصبا لا رفعا ، ليعلم بنصبه المتروك قبله المعني المراد ، كما فعل بقوله : " فتصنع ماذا " ، ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على " تكلف " : ( 2 ) ليست تكلف نفس إلا وسعها ، وليست تضار والدة بولدها . يعني بذلك أنه ليس ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين . * * * قال أبو جعفر : وأولى القرأتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب ، لأنه نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه له ، حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين . فلو كان ذلك خبرا ، لكان حراما عليهما ضرارهما به كذلك . ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) سيبويه 1 : 431 الخزانة 3 : 613 - 615 ، وشرح شواهد المغني : 263 . وقال صاحب الخزانة : " البيت من قصيدة عدتها تسعة عشر بيتا لأبي اللحام التغلبي أو ردها أبو عمرو الشيباني في أشعار تغلب له ، وانتخبها أبو تمام ، فأورد منها خمسة أبيات في مختار شعر القبائل ، وهذا أولها : عمرت وأطولت التفكر خاليا . . . وساءلت حتى كاد عمري ينفد ( 2 ) في المطبوعة : " لا تكلف " بزيادة " لا " وأثبت ما في المخطوطة . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " لكان حرام " بالرفع ، والأجود ما أثبت .