محمد بن جرير الطبري
91
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ولقد اصطفيناه في الدنيا " ، ولقد اصطفينا إبراهيم . و " الهاء " التي في قوله : " اصطفيناه " ، من ذكر إبراهيم . * * * و " الاصطفاء " " الافتعال " من " الصفوة " ، وكذلك " اصطفين " ا " افتعلنا " منه ، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد . ويعني بقوله : " اصطفيناه " : اخترناه واجتبيناه للخلة ، ( 1 ) ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما . * * * وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده ، فهو لله مخالف ، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو لإبراهيم مخالف . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته ، وجعله للناس إماما ، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة . ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " ، وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين . * * * و " الصالح " من بني آدم : هو المؤدي حقوق الله عليه .
--> ( 1 ) الخلة ( بضم فتشديد ) : الصداقة والمحبة . والخليل : الصديق الحبيب . وهي هنا منزلة من منازل محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم وأحبهم .