محمد بن جرير الطبري

80

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

" مناسكه " ، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس ، ويترددون إليها . * * * وأصل " المنسك " في كلام العرب : الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه ، يقال : " لفلان منسك " ، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر . ولذلك سميت " المناسك " " مناسك " ، لأنها تعتاد ، ويتردد إليها بالحج والعمرة ، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله . * * * وقد قيل : إن معنى " النسك " : عبادة الله . وأن " الناسك " إنما سمي " ناسكا " بعبادة ربه . فتأول قائلوا هذه المقالة . قوله : " وأرنا مناسكنا " ، وعلمنا عبادتك ، كيف نعبدك ؟ وأين نعبدك ؟ وما يرضيك عنا فنفعله ؟ وهذا القول ، وإن كان مذهبا يحتمله الكلام ، فإن الغالب على معنى " المناسك " ما وصفنا قبل ، من أنها " مناسك الحج " التي ذكرنا معناها . * * * وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما . وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين . فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما ، صارا كالمخبرين عن أنفسهما بذلك . ( 1 ) وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية ، وتأخره بعد في الآية الأخرى . فأما الذي في أول الآية فقولهما : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " ، ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما ، في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا " وأرنا مناسكنا " . وأما التي في الآية التي بعدها : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، فجعلا المسألة لذريتهما خاصة .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " عن أنفسهم بذلك " ، والصواب ما أثبت .