محمد بن جرير الطبري
591
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عليه وسلم ، وعلى أهل الشام فَضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج من المدينة صفٌّ عظيم من الروم ، قال : وصففنا صفًّا عظيمًا من المسلمين ، فحمل رجل من المسلمين على صَفّ الروم حتى دخلَ فيهم ، ثم خرج إلينا مقبلا فصاح الناس وقالوا : سبحان الله ! ألقى بيده إلى التهلكة ! فقام أبو أيوب الأنصاري صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التأويل ! وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار ! إنا لما أعزّذ الله دينه وكثَّر ناصريه ، قلنا فيما بيننا بعضُنا لبعض سرًّا من رسول الله : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أنا أقمنا فيها ، فأصلحنا ما ضَاع منها ! فأنزل الله في كتابه يرُدُّ علينا ما هممنا به ، فقال : " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ، بالإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها ، فأمرنا بالغزو . فما زال أبو أيوب غازيًا في سبيل الله حتى قبضَه الله ( 1 ) . * * *
--> ( 1 ) الحديث : 3180 - أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ : ثقة معروف ، من شيوخ أحمد والبخاري ، وكان إماما في الحديث ، مشهورا في القراءات ، أقرأ القرآن بالبصرة 36 سنة ، ثم بمكة 35 سنة . وهو مولى آل عمر بن الخطاب . ووهم ابن حزم فيه وهمًا عجيبًا ، فأخطأ خطأ طريفا : جعله عربيا حميريا ، ثم من " بني سبيع " ! ثم نسبه إلى حي زعم أن اسمه " مقر " ، بضم الميم وسكون القاف ! فقال في جمهرة الأنساب ، ص : 409 " ومن ولد سبيع المذكور : مقر ، حي ضخم ، إليه ينسب عبد الله بن يزيد المقري ( يعني بدون همزة ) ، ولم يكن مقرئا للقراءات ، وإنما كان محدثا " ! ! وأخطأ ابن حزم وشبه له ، فأتى بقبيلة لم يذكرها أحد قط - فيما نعلم . وإنما انتقل نظره إلى شيء آخر بعيد ، إلى " عبد الرحمن بن عبد القاري " بتشديد الياء دون همزة ، من ولد " القارة بن الديش " . وهو تابعي ، ولم يك مقرئا . فإلى هذا ذهب وهمه . ثم لا ندري كيف وضع القبيل الذي اخترعه ، في " بني سبيع " ! ! ووقع في المطبوعة هنا " ثنا أبو عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد " . وهو خطأ في زيادة " عن " . و " أبو عبد الرحمن " كنية " عبد الله بن يزيد " ، ليس راويا آخر . والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 599 ، عن عبد الله بن المبارك ، عن حيوة . ورواه أبو داود السجستاني : 2512 ، من طريق ابن وهب ، عن حيوة وابن لهيعة . ورواه الترمذي 4 : 72 - 73 ، من طريق أبي عاصم النبيل ، عن حيوة . وقال : " حديث حسن غريب صحيح " . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 275 ، من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن حيوة ، وحده . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . ورواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر : 269 - 270 ، بإسنادين : رواه عن عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد . ورواه عن عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن حيوة بن شريح - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب ، به . وقوله في الرواية الماضية " غزونا المدينة ، يريد القسطنطينية " - هكذا ثبت في المطبوعة هنا . ولفظ أبي داود السجستاني : " غزونا من المدينة ، نريد القسطنطينية " . ولعل ما هنا أجود وأصح ، فإن أسلم أبا عمران مصري . والظاهر من السياق أن الجيش كان من مصر والشام . وقوله في تلك الرواية : " وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد " يدل على أن هذه الغزوة كانت في سنة 46 أو قبلها ، لأن عبد الرحمن مات تلك السنة . وهذه الغزوة غير الغزوة المشهورة التي مات فيها أبو أيوب الأنصاري . وقد غزاها يزيد بن معاوية بعد ذلك سنة 49 ، ومعه جماعات من سادات الصحابة . ثم غزاها يزيد سنة 52 ، وهي التي مات فيها أبو أيوب رضي الله عنه ، وأوصى إلى يزيد أن يحملوه إذا مات ، ويدخلوه أرض العدو ، ويدفنوه تحت أقدامهم حيث يلقون العدو . ففعل يزيد ما أوصى به أبو أيوب . وقبره هناك إلى الآن معروف . انظر طبقات ابن سعد 3 / 2 / 49 - 50 ، وتاريخ الطبري 6 : 128 ، 130 ، وتاريخ ابن كثير 8 : 30 - 31 ، 32 ، 58 - 59 . وتاريخ الإسلام للذهبي 2 : 231 ، 327 - 328 . وقوله في هذه الرواية الثانية " وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد " - هذا هو الصواب الثابت في رواية الطيالسي ، وابن عبد الحكم ، والحاكم . ووقع في رواية الترمذي " وعلى الجماعة فضالة بن عبيد " . وهو وهم ، لعله من الترمذي أو من شيخه عبد بن حميد . والحديث ذكره ابن كثير 1 : 437 - 438 ، من رواية الليث بن سعد ، ولم ينسبها . ثم خرجه من أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وعبد بن حميد في تفسيره ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن مردويه ، وأبي يعلى ، وابن حبان ، والحاكم . ثم ذكر رواية منه ، على أنها لفظ أبي داود - ولا توافق لفظه ، وفيها تحريف كثير . وذكره السيوطي 1 : 207 - 208 ، وزاد نسبته للطبراني ، والبيهقي في سننه .