محمد بن جرير الطبري

560

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عن أبيه ، عن الربيع قوله : " وليسَ البر بأنْ تأتوا البيوتَ من ظهورها ولكن البر مَن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها " قال : كان أهل المدينة وغيرُهم إذا أحرمُوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها ، وذلك أن يتسوَّرُوها ، فكان إذا أحرم أحدُهم لا يدخل البيت إلا أن يتسوّره من قِبَل ظَهره . وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتا لبعض الأنصار ، فدخل رجلٌ على أثره ممن قد أحرم ، فأنكروا ذلك عليه ، وقالوا : هذا رجل فاجرٌ ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم دخلت من الباب وقد أحرمت ؟ فقال : رأيتك يا رسول الله دخلتَ فدخلتُ على أثرك ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنّي أحمس ! - وقريش يومئذ تُدعى الحُمس - فلما أن قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصاري : إن ديني دينك ! فأنزل الله تعالى ذكره : " وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها " الآية . 3088 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين ، قال ، حدثني حجاج ، قال ، قال ابن جريج : قلت لعطاء قوله : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " قال : كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرَوْنه برًّا ، فقال : " البر " ، ثم نعت " البر " وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها = قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهدا يقول : كانت هذه الآية في الأنصار ، يأتون البيوت من ظهورها ، يتبرَّرُون بذلك . * * * قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذًا : وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها ، ولكن البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه ، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها ، فأما إتيانُ البيوت من ظهورها فلا برَّ لله فيه ، فأتوها من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها ، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال ، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه ، لأنه مما لم أحرمه عليكم . * * *