محمد بن جرير الطبري
548
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل . فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل ، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل . ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى : ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) [ سورة الحجرات : 11 ] وقوله : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) [ سورة النساء : 29 ] بمعنى : لا يلمزْ بعضكم بعضا ، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا ( 1 ) لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة ، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ، ولامزُه كلامز نفسه ، وكذلك تفعل العرب تكني عن نفسها بأخواتها ، وعن أخواتها بأنفسها ، فتقول : " أخي وأخوك أيُّنا أبطش " . يعني : أنا وأنت نصْطرع ، فننظر أيُّنا أشدّ ( 2 ) - فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه ، لأن أخا الرجل عندها كنفسه ، ومن ذلك قول الشاعر : ( 3 ) أخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ . . . لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ ( 4 ) * * *
--> ( 1 ) انظر ما سلف مثل ذلك في 2 : 300 ، ثم الآية : 85 من سورة البقرة 2 : 303 لم يذكر فيها شيئا من ذلك . ولم يبين هذا البيان فيما سلف . وهذا دليل على أنه كان أحيانا يختصر الكلام اختصارا ، اعتمادا على ما مضى من كلامه ، أو ما يستقبل منه . كما قلت في مقدمة التفسير . ( 2 ) انظر تأويل مشكل القرآن : 114 ، هذا بنصه . ( 3 ) هو ثعلبة بن عمرو ( حزن ) العبدي ، ابن أم حزنة . ويقال هو من بني شيبان حليف في عبد القيس . وكان من الفرسان ( الاشتقاق لابن دريد : 197 ) . وانظر التعليق التالي . ( 4 ) المفضليات : 513 ، وتأويل مشكل القرآن : 114 ، معجم ما استعجم : 1038 . وفي المطبوعة : " ليس لنا " ، وأثبت ما في المراجع ، وكأنها الصواب . ويقال : ليس بالدار عريب ، أي ليس بها أحدا . و " النسير " ، تصغير " النسر " ، وهو مكان بديار بني سليم . بيد أن ياقوت نقل عن الحازمي أنه بناحية نهاوند ، واستشهد بهذا البيت . فإن يكن ذلك فابن أم حزنة هذا إسلامي : قال ياقوت ، قال سيف : " سار المسلمون من مرج القلعة نحو نهاوند ، حتى انتهوا إلى قلعة فيها قوم ، ففتحوها ، وخلفوا عليها النسير بن ثور في عجل وحنيفة . وفتحها بعد فتح نهاوند ، ولم يشهد نهاوند عجلي ولا حنفي ، لأنهم أقاموا مع النسير على القلعة ، فسميت به " ( انظر تاريخ الطبري 4 : 243 ، 251 ) . فإن صح أن ابن أم حزنة كان في بعث المسلمين ، كان هذا البيت مؤيدا لهذا القول . فإنه يقول له : أنا وأنت ببطن النسير ، ليس معنا فيه من أبناء معد ( وهم العرب ) أحد . وأما عن الحازمي إذا كان الموضع ببلاد العرب ، فهو يقول : ليس به أحد ، وقوله " من معد " فضول من القول . وقد ترجح عندي أنه شاعر إسلامي ، من بعض شعره في المفضليات رقم 74 ، وفي الوحشيات رقم : 217 ، ( وانظر من نسب إلى أمه رقم : 22 ، 32 ) ، وله شعر في حماسة البحتري : 97 ، 103 . وإن صحت رواية الطبري : " ليس لنا من معد عريب " . فعريب ، في هذا البيت ، هو صاحبه الذي ذكره في أول الشعر فقال : إِنَّ عَرِبيًا وَإِنْ سَاءَني . . . أَحَبُّ حَبِيبٍ وَأَدْنَى قَرِيبْ فيكون قوله : " معد " مصدر " عد يعد " . يقول : أنا وأنت ببطن النسير وحدنا ، لا يعد معنا أحد ، يعني أنهما خاليين بالمكان ، ليس لك من ينصرك ولا لي من ينصرني ، فهناك يظهر صاحب للبأس منهما ، وقال بعد البيت : فأقْسَم بِاللهِ لاَ يَأتَلِي . . . وأقْسَمْتُ إِنْ نلتُهُ لاَ يَؤُوبْ فَأَقْبَلَ نَحْوِي عَلَى قُدْرةٍ . . . فَلَمَّا دَنَا صَدَقَتْه الكَذُوبْ