محمد بن جرير الطبري
532
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قالوا : ذلك كذلك ! أوجبوا الصومَ إلى مغيب الشفق الذي هوَ بياضٌ . وذلك قولٌ إنْ قالوه مدفوعٌ بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مُجمعةً عليه - الخطأُ والسهوُ ، [ وكفى بذلك شاهدا ] على تخطئته ( 1 ) . وإن قالوا : " بل أول الليل " ابتداء سُدْفته وظلامه ومَغيبُ عَين الشمس عنا . قيل لهم : وكذلك " أول النهار " : طلوع أوّل ضياء الشمس ومغيب أوَائل سُدفة الليل . ثم يعكس عليه القول في ذلك ، ( 2 ) ويُسأل الفرقَ بين ذلك ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . * * * وأما " الفجر " فإنه مصدر من قول القائل : " تفجَّر الماءُ يتفجَّرُ فجرًا " ، ( 3 ) إذا انبعثَ وجرى ، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس " فجر " ، لانبعاث ضوئه عليهم ، وتورُّده عليهم بطرُقهم ومحاجِّهم ، تفجُّرَ الماء المتفجِّر من منبعه . * * * وأما قوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " فإنه تعالى ذكره حَدَّ الصوم بأن آخرَ وقته إقبالُ الليل - كما حدَّ الإفطارَ وإباحةَ الأكل والشرب والجماع وأوَّل الصوم بمجيء أول النهار وأوَّل إدبار آخر الليل ، فدلّ بذلك على أن لا صومَ بالليل ، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم = وعلى أنّ المواصل مجوِّعٌ نفسه في غير طاعة ربه . كما : -
--> ( 1 ) ما بين القوسين زيادة لا بد منها لسياق الجملة . ( 2 ) عاد مرة أخرى فأفرد القائل بعد جمع القائلين . ولولا الضمائر الكثيرة التي تمنع ظن التحريف أو التصحيف في جمل متتابعة . لغيرتها . ولعل أبا جعفر كان يسهو أحيانا عن مثل ذلك . لجوازه في العربية . ( 3 ) هكذا جاء في المطبوعة ، ولم أملك أن أغيره ، لأن كلامه دال على أنه يجعله مصدرا ، لقولهم : " تفجر " بالتاء وتشديد الجيم . وكأنه يحمله على أنه من المصادر التي جاءت على غير بناء أفعالها . كما مضى ذلك آنفًا في 1 : 116 - 118 . وانظر تفسير " التفجر " فيما سلف 2 : 238 .