محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم مكة " . لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - ( 1 ) كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه ، [ وهو الذي ] لزم العباد فرضه دون غيره . ( 2 ) فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر " - وخبر جابر وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إن إبراهيم حرم مكة " ؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر ، كما ظنه بعض الجهال . وغير جائز في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا ، إذا ثبت صحتها . وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه . وأما قول إبراهيم عليه السلام ( 3 ) ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) [ سورة إبراهيم : 37 ] فإنه ، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه ، ( 4 ) فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته ، ( 5 ) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد ، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك . * * *
--> ( 1 ) كلأه الله يكلؤه كلاء ( بفتح فسكون ) وكلأ ( بكسر فسكون ) وكلاءة ( بكسر الكاف ) : حرسه وحفظه . وكان في المطبوعة " الكلاء " بهمزة مفردة مع المد ، وليس صوابا . هذا ، وسياق العبارة : " لأن فرض تحريمها . . . كان عن مسألة إبراهيم ربه " . ( 2 ) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام . ( 3 ) في الأصول : " وقول إبراهيم " ، والصواب زيادة " أما " كما يدل عليه السياق . ( 4 ) وفيها : " إن يكن قال قبل إيجاب الله " . والصواب ما أثبت . ( 5 ) وفيها : " وكلائه " ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .