محمد بن جرير الطبري

498

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " أحِلّ لكم ليلةَ الصيام الرفثُ إلى نسائكم هُنّ لباسٌ لَكم وأنتم لباسٌ لهن " إلى : " وعفا عَنكم " . كان الناس أوّلَ ما أسلموا إذا صام أحدُهم يصوم يومه ، حتى إذا أمسى طَعِم من الطعام فيما بينه وبين العتمة ، حتى إذا صُليت حُرّم عليهم الطعامُ حتى يمسي من الليلة القابلة . وإنّ عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله لبعض حاجته ، فلما اغتسلَ أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيتَ من الملامة . ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله ، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة ، فإنها زيَّنت لي فواقعتُ أهلي ! هل تجد لي من رخصة يا رسول الله ؟ قال : لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر ! فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعُذره في آية من القرآن ، وأمر الله رسوله أن يَضَعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال : " أحلّ لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائكم " إلى " علم الله أنكم كنتم تَختانون أنفسكم " يعني بذلك : الذي فعل عمر بن الخطاب فأنزل الله عفوه . فقال : " فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن بَاشرُوهن " إلى : " من الخيط الأسود " فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح ( 1 ) .

--> ( 1 ) الحديث : 2943 - هذا الحديث بالإسناد المسلسل بالضعفاء ، الذي شرحناه مفصلا في : 305 . وقد ذكره السيوطي 1 : 197 ، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم . ولم تكن بنا حاجة للكلام عليه هنا ، إلا أننا أردنا أن نمهد به لحديث لأبي هريرة في معناه . نقله السيوطي 1 : 197 ، ونسبه للطبري فقط ، قال : " وأخرج ابن جرير ، عن أبي هريرة . . " . وذكره ابن كثير 1 : 419 مع أواخر إسناده ، ولم يذكر من خرجه . والظاهر من تتبع صنيعه أنه نقله عن الطبري أيضًا . ولم نجده في الطبري ، فإما سقط من الناسخين ، وإما هو في موضع آخر من الطبري لما تصل إلينا معرفته . فرأينا إثباته - تماما للفائدة ، وحفظا لما ينسب لهذا التفسير العظيم . قال ابن كثير : " وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، في قول الله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامُ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) إلى قوله ( ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) ، قال : كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية - إذا صلُّوا العشاءَ الآخِرَةَ حَرُمَ عليهم الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفْطروا . وإن عمر بن الخطاب أصاب أهلَه بعد صلاة العشاء ، وإن صِرْمَةَ بن قيس الأنصاري غَلَبَتْهُ عيناه بعد صلاة المغرب ، فنام ولم يشبع من الطعام ، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ، فقام فأكل وشرب ، فلما أصبح أتَى رسولَ الله صلى الله عليه سلم ، فأخبره بذلك ، فأنزل الله عند ذلك : ( أُحِلَّ لَكُم لَيْلَةَ الصِّيَامَ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) ، يعني بالرفث مجامعةَ النساء ، ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ، عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم ) ، يعني : تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء ، ( فَتَاب عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآنبَاشِرُوهُنَّ ) يعني : جامعوهن ، ( وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُم ) ، يعني : الولد ، ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ ) ، فكان ذلك عَفْوًا من الله ورَحْمَةً " . هذا لفظ رواية ابن كثير . والسيوطي اختصره قليلا . فهذا إسناد صحيح من سعيد بن أبي عروبة إلى أبي هريرة . أما ما وراه سعيد بن أبي عروبة ، فلا ندري ما حاله ، حتى نعرف رواته . وقيس بن سعد : هو المكي ، أبو عبد الملك ، وهو ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 154 . وابن أبي حاتم 3 / 2 / 99 ، وابن سعد 5 : 355 ، ولكن ذكر أن كنيته " أبو عبيد الله " . وقال : " كان قد خلف عطاء بن أبي رباح في مجلسه " . وكنية قيس عند البخاري " أبو عبد الله " . والظاهر أن هذا هو الصحيح ، لأن الدولابي ذكره في الكنى 2 : 59 ، في باب " أبو عبد الله " .