محمد بن جرير الطبري
454
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال آخرون : " فَمن شهد منكم الشهر فليصمه " ، يعني : فمن شهده عاقلا بالغًا مكلفًا فليصمه . وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه ، كانوا يقولون : من دخل عليه شهرُ رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه ، فإن جُنّ بعد دُخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا ، ثم أفاقَ بعد انقضائه ، لزمه قضاءُ ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبًا على عقله ، لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فُرض . قالوا : وكذلك لو دخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنونٌ ، إلا أنه ممن لو كان صحيحَ العقل كان عليه صَوْمه ، فلن ينقضي الشهر حتى صَح وَبرأ ، أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك ، فإنّ عليه قضاءُ صوْم الشهر كله ، سوى اليوم الذي صامه بَعد إفاقته ، لأنه ممن قد شَهد الشهر . قالوا : ولو دَخل عليه شهرُ رمضان وهو مجنون ، فلم يفق حتى انقضى الشهرُ كله ، ثم أفاق ، لم يلزمه قضاء شيء منه ، لأنه لم يكن ممن شَهده مكلَّفًا صَوْمَه . قال أبو جعفر : وهذا تأويل لا معنى له ، لأنّ الجنون إن كانَ يُسقط عمن كان به فَرْضَ الصومِ ، من أجل فقد صاحبه عَقله جميع الشهر ، فقد يجب أن يكونَ ذلك سبيلَ كل من فقد عقله جميع شهر الصوم . وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء أو بِرْسام ، ( 1 ) ثم أفاق بعد انقضاء الشهر ، أن عليه قضاءُ الشهر كله . ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة . وإذ كان إجماعًا ، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم ، سبيلَ المغمى عليه . وإذ كان ذلك كذلك ، كان معلومًا أن تأويل الآية غير الذي تأوَّلها قائلوا هذه المقالة : من أنه شُهود الشهر أو بعضه مكلفًا صومَه . وإذا بطل ذلك ، فتأويل المتأوِّل الذي زعم أن معناه : فمن شهد أوله مقيما حاضرًا
--> ( 1 ) البرسام : علة يهذي فيها صاحبها . قالوا : هو ورم حار يعرض للحجاب الذي بين الكبد والأمعاء ، ثم يتصل إلى الدماغ .