محمد بن جرير الطبري

435

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وسُقوط الفدية عنهم ، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم ؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " ، فألزموا فرضَ صومه ، وبطل الخيار والفديةُ . * * * فإن قال قائل : وكيف تدَّعي إجماعًا من أهل الإسلام = على أنّ من أطاق صومه وهو بالصفة التي وصفت ، فغير جائز له إلا صومُه = وقد علمت قول من قال : الحامل والمرضعُ إذا خافتا على أولادهما ، لهما الإفطار ، وإن أطاقتا الصوم بأبدانهما ، مع الخبر الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : 2792 - حدثنا به هناد بن السري قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال : أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَتغدَّى ، فقال : " تعالَ أحدِّثك ، إن الله وَضع عن المسافر والحامل والمرضع الصومَ وشَطرَ الصلاة " ؟ ( 1 )

--> ( 1 ) الحديث : 2792 - قبيصة : هو ابن عقبة السوائي ، مضت ترجمته : 489 ، وأشرنا هناك إلى الكلام في روايته عن سفيان الثوري ، وأنه غير مقبول ، ونزيد هنا أن الشيخين أخرجا له في الصحيحين من روايته عن الثوري ، كما في كتاب رجال الصحيحين ، ص : 422 . أبو قلابة - بكسر القاف وتخفيف اللام : هو عبد الله بن زيد الجرمي - بفتح الجيم وسكون الراء - أحد الأعلام الحفاظ من التابعين . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 1 / 133 - 135 . وابن أبي حاتم 2 / 2 / 57 - 58 ، ورجال الصحيحين : 251 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 88 - 89 . أنس - في هذا الحديث فقط : هو أنس بن مالك الكعبي ، من بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان . وهو صحابي ليس له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد . وبعضهم يذكر في نسبته " القشيري " يذهبون إلى أن " قشيرًا " هو ابن كعب بن ربيعة . وهذا هو الثابت في بعض كتب الأنساب ، مثل الاشتقاق لابن دريد ، ص : 181 ، وجمهرة الأنساب لابن حزم ، ص : 271 ، 272 ، وقلدهم الحافظ في التهذيب . ولكن البخاري قال في ترجمته في التاريخ الكبير 1 / 2 / 30 : " وكعب إخوة قشير " . وقال ابن أبي حاتم في ترجمته 1 / 2 / 286 : " من بني عبد الله بن كعب ، وكعب أخو قشير " . وفي رواية أبي داود لهذا الحديث - كما سيأتي في التخريج إن شاء الله - : " عن أنس بن مالك ، رجل من بني عبد الله بن كعب ، إخوة بني قشير " . وقال الحافظ في الإصابة 1 : 73 " وهذا هو الصواب ، وبذلك جزم البخاري في ترجمته . وعلى هذا فهو كعبي ، لا قشيري ولأن قشيرًا هو ابن كعب ، ولكعب ابن اسمه عبد الله . فهو من إخوة قشير ، لا من قشير نفسه " . و " أنس بن مالك " - في الرواة ، خمسة نفر : " أنس بن مالك " بن النضر الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو المراد في أكثر الأحاديث عند إطلاق اسم " أنس " . ثم " أنس بن مالك الكعبي " - هذا الذي هنا . وهذان صحابيان . و " أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي " ، " والد الإمام " مالك بن أنس " ، وهو تابعي . ثم " أنس بن مالك الصيرفي " ، شيخ خلاد بن يحيى . و " أنس بن مالك " شيخ لأبي داود الطيالسي . وهذان متأخران ، يرويان عن التابعين . وقد ترجم ابن أبي حاتم لهؤلاء الخمسة . وترجم البخاري في الكبير الثلاثة الأول فقط . وذكرهم كلهم ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر ، ص : 320 . وقال في شأن " الكعبي " هذا ، وأشار إلى حدجيثه الذي هنا - : روى هذا الحديث الثوري ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس [ يعني الكعبي ] . وعند الثوري بهذا الإسناد عن أنس الأنصاري أحاديث " . وهذا حق . ولذلك كان إطلاق اسم " أنس " هنا غير مستساغ ممن أطلقه ، سواء أكان الطبري أم أحد شيوخ الإسناد ، لما فيه من الإيهام . والحديث رواه البخاري في الكبير 1 / 2 / 30 ، عن قبيصة - شيخ هناد في هذا الإسناد - وعن محمد بن يوسف ، كلاهما عن الثوري ، به . موجزًا كعادته . وصرح في الإسناد بأنه " عن أنس بن مالك الكعبي " . ورواه النسائي 1 : 315 - 316 ، عن عمر بن محمد بن الحسن - هو ابن التل - عن أبيه ، عن الثوري ، به ، بلفظ : " إن الله وضع عن المسافر ، يعني نصف الصلاة ، والصوم ، وعن الحامل والمرضع " . ورواه أحمد في المسند 5 : 29 ( حلبي ) عن ابن علية ، عن أيوب ، قال : " كان أبو قلابة حدثني بهذ الحديث ، ثم قال لي : هل لك في الذي حدثنيه ؟ قال : فدلني عليه ، فأتيته ، فقال : حدثني قريب لي يقال له أني بن مالك . . " . فذكره بقصة في أوله . ففي هذه الرواية أن بين أبي قلابة وأنس الكعبي رجلا مبهمًا هو الذي حدثه به عنه . وكذلك ذكر البخاري أن بينهما رجلا : فرواه عقب ذاك ، عن يحيى بن موسى ، عن عبد الرزاق عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة " عن رجل من بني عامر : أن رجلا يقال له أنس حدثه : أنه قدم المديني - نحوه " . وأنا أرى ترجيح رواية قبيصة ومحمد بن يوسف ، التي ليس فيها الرجل المبهم ، وقد تابعهما عليها محمد بن الحسن التل . فإن الثوري أحفظ من معمر ومن ابن علية معًا ، وهو المقدم على من خالفه في الحفظ والإتقان . وللحديث إسناد آخر ، من وجه آخر . رواه أبو هلال محمد بن سليم الراسبي ، عن عبد الله بن سوادة ، عن أنس الكعبي ، وهو إسناد جيد ، بل صحيح ، وأبو هلال الراسبي : ثقة لا بأس به . وعبد الله بن سوادة بن حنظلة القشيري : ثقة أيضًا . فرواه أحمد في المسند 4 : 347 ( حلبي ) ، عن وكيع ، وعن عفان . ورواه عقبة ابنه عبد الله عن شيبان . ورواه أحمد أيضًا 5 : 29 ( حلبي ) ، عن عبد الصمد . ورواه ابن سعد في الطبقات 7 / 1 / 30 ، عن وكيع وعفان . ورواه أبو داود : 2408 ، عن شيبان بن فروخ . ورواه الترمذي 2 : 42 ، عن أبي كريب ويوسف بن عيسى ، عن وكيع . ورواه ابن ماجة : 1667 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، عن وكيع . ورواه البيهقي 4 : 231 ، من طريق عبيد الله بن موسى ، وأبي نعيم . كل هؤلاء وكيع ، وعفان ، وشيبان ، وعبد الصمد ، وعبيد الله بن موسى ، وأبو نعيم - رووه عن أبي هلال الراسبي ، عن عبد الله بن سوادة ، عن أنس الكعبي ، به مطولا ، في قصة . وهذا إسناد متصل بالسماع ، لأن ابن سعد قال عقب روايته : " قال عفان في الحديث كله : حدثنا قال : حدثنا ، إلى آخره " . فهذا نص على سماع كل شيخ ممن قبله إلى الصحابي . وقال الترمذي : " حديث أنس بن مالك الكعبي : حديث حسن . ولا نعرف لأنس بن مالك هذا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - غير هذا الحديث الواحد " . ونقل الحافظ في التهذيب 1 : 379 ، عن الترمذي أنه " صححه " . ولكن الذي في أيدينا من نسخ الترمذي قوله " حديث حسن " فقط . فتستفاد زيادة تصحيحه من نقل الحافظ .