محمد بن جرير الطبري

404

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال الله تعالى ذكره : " فأصلح بينهم فلا إثم عليه " . وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة ، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه ، فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم ، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم ، ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث . فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف . وإنما اخترنا هذا القول ، لأن الله تعالى ذكره قال : " فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا " ، يعني بذلك : فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم . فخوفُ الجنف والإثم من الموصي ، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم ، فأما بعد وجوده منه ، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم ، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم ، ولوْ كان ذلك معناه لقيل : فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم - ولم يقل : فمن خَافَ منه جَنفًا . * * * فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال : فما وجه الإصلاح حينئذ ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء ؟ قيل : إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح ، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين ، ( 1 ) فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه ، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف . لأن " الإصلاح " ، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين ، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه . فإن قال قائل : فكيف قيل : " فأصلح بينهم " ، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين ، أو المخوف اختلافهم ، ذكرٌ ؟

--> ( 1 ) في المطبوعة : " فمن الإصلاح بين الفريقين . . " ، والصواب زيادة ، " الإصلاح " ، كما يدل عليه السياق .