محمد بن جرير الطبري
357
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " كتب عليكم القصاص في القتلى " ، فُرض عليكم . * * * فإن قال قائل : أفرضٌ على وليّ القتيل القصاصُ من قاتل وَليّه ؟ قيل : لا ولكنه مباح له ذلك ، والعفو ، وأخذُ الدية . فإن قال قائل : وكيف قال : " كتب عليكم القصاص " ؟ قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه ، وإنما معناه : يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى ، أي أن الحر إذا قتل الحرَّ ، فَدم القاتل كفءٌ لدم القتيل ، والقصاصُ منه دون غيره من الناس ، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل ، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غيرَ قاتله . والفرض الذي فرضَ الله علينا في القصاص ، هو ما وصفتُ من ترك المجاوزة بالقصاص قَتلَ القاتل بقتيله إلى غيره ، لا أنه وجب علينا القصاص فرضًا وجُوب فرضِ الصلاة والصيام ، حتى لا يكون لنا تركه . ولو كان ذلك فرضًا لا يجوز لنا تركه ، لم يكن لقوله : " فَمن عُفي لهُ من أخيه شيء " ، معنى مفهوم . لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال : " فمن عفي له من أخيه شيء " . * * * وقد قيل : إن معنى القصاص في هذه الآية ، مقاصَّة ديات بعض القتلى بديات بعض . وذلك أن الآية عندهم نزلت في حِزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل بعضهم بعضًا ، فأُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصْلح بينهم بأن تَسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين ، ودياتُ رجالهم